رحلة العطاء التي لا تنضب

د. فريدة العلاقي (١)

 

تشرفت بدعوتي من دار الدكتورة سعاد الصباح لتوثيق شهادتي بشأن المفكر العربي الدكتور حسين شعبان لضمها في كتاب تصدره دورياً الدار في «يوم الوفاء»، والذي تم ترشيح الدكتور شعبان لهذا التكريم خلال هذا العام 2024، وقد سبقه إلى ذلك الشاعر الكبير نزار قباني والكاتب المعروف ثروت عكاشة والصحافي المبدع غسان تويني والمفكّر المغربي عبد الكريم غلّاب والمفكّر التونسي الحبيب الجنحاني والروائي الليبي إبراهيم الكوني.

منذ ثلاثة عقود تقريباً، حظيت بالتعرف شخصياً على الأخ والصديق الدكتور شعبان، حيث جمعتنا مؤتمرات وندوات واجتماعات فكرية وسياسية وثقافية عربية ودولية، تعلّمت منه الكثير، وقرأت له العديد من الأبحاث والدراسات القيمة، والتي تقاطعت مع مجالات عملي ومع اهتماماتي الفكرية والسياسية والعملية، وبخاصة كتاباته عن قضايا المجتمع المدني والحريّات والديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث كان داعيةً للتجديد والتنوير، فضلاً عن الدفاع عن حقوق المظلومين، إلى جانب انشغاله بقضايا النزاعات والحروب والتسامح واللّاعنف، وهي موضوعات حيويّة، قدّم فيها معالجات متميّزة على الصعيدين الفكري والممارساتي.

وعلى مدى العقود الخمسة الماضية، كان د.شعبان في رحلة تنوّعت محطاتها، حيث انطلقت من مواجهة الظلم السياسي والاقتصادي والثقافي والدفاع عن الفقراء والمقهورين والمهمّشين والمعذّبين، إلى التركيز على أهمية نشر الوعي الحقوقي وثقافة الحوار والسلام وتعميمها، وتغليب قيم العقل والمعرفة والعلم وحب الوطن والتسلح بالشجاعة والصدق على الولاء والتحزّب والانتماءات الضيقة، سواء كانت السياسية أم الدينية أم الجهوية.

وكان شعبان نموذجاً في إعلاء المشتركات والبحث عن الجوامع المشتركة وتقليص الفوارق في إطار هويّة موحّدة تقبل التنوّع، فهو عربي ومسلم وإنساني يعترف بالآخر وحقّه، يختلف أو يتّفق معه، فهو إنسان مثله، له ذات الحقوق التي وهبها إليه الله.

وفي العديد من محطات مسيرته كان سبّاقاً في سبر أغوار قضايا ومواضيع تعتبر من ضمن الممنوعات التي صنفتها أنظمة سياسية تسلطت في السيطرة على شعوبها، وتشبّثت بكلّ الوسائل لبقاء في السلطة، لذلك سعت تلك الأنظمة حجب الحق في بحث مثل هذه المواضيع، محرّمةً الخوض فيها، ومحاربةً كلّ من يتصدّى لها، وبالطبع دفع الدكتور شعبان ثمن مواقفه باهظاً، سواء بالسجن أو مغادرة الوطن والعيش في المنفى، وهو حال الآلاف من الوطنيين المعارضين على امتداد خريطة الوطن العربي، إلّا أنه حظيَ بثقةٍ غير محدودة من المظلومين الذين وقف إلى جانبهم، وأعرف شخصياً، كليبية، كم كان موقفه مشرّفاً من قضايا حقوق الإنسان الليبي في ظروف عصيبة، وكان بذلك رمزاً حقيقياً.

تمكن الدكتور شعبان بكل مهنيّة وحرفية وابتكار من أن يجسّر الفجوة بين الفكر والتنفيذ، وبين التنظير والواقع، وبين المراجعات النقدية الشجاعة والمبادرات العملية المتميّزة، وعلى يده تخرّج المئات من النشطاء العرب، حيث شكّل مرجعيّة لهم في تنمية الوعي والتبصّر بالحقوق، مع مراعاة الخصوصية الوطنية وتراث أمّتنا وقيمها وشريعتها السمحة، فقد كان متصالحاً مع التاريخ والتراث، وسعى لنقد سلبياته واستلهام ما هو إيجابي منه لخدمة الحاضر والمستقبل، كما أنه ظلّ يؤكّد المصالحات الوطنية وتطبيق العدالة الانتقالية وبث روح التسامح والسلام وصولاً إلى المشتركات التي تُسهم في الانتقال الديمقراطي لتجنّب العنف وما سيتركه من آثار ضارّة على صعيد المجتمع والفرد والتنمية.

وأظنّ أن على عاتق المفكّر شعبان، وغيره من المفكرين والحقوقيين العرب ومن بلدان الجنوب، تقع مسؤولية مراجعة الأفكار والآراء ووجهات النظر بشأن القيم الإنسانية المشتركة التي نلتقي فيها نحن والعديد من النخب والنشطاء الحقوقيين في الغرب، لأن ما حصل بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 يتطلّب التوقّف بجديّة لقراءة الأجندات الغربية بدقّة بما فيها قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، والتي أثبتت الوقائع بما لا يدع مجالاً للشك ازدواجية المعايير التي يعتمد عليها الغرب، بل أحادية تلك المعايير التي تخدم مصالحه، وما عداها ليس سوى «إرهاب» و»تخلّف» و»عنف» و»تعصّب»، وهو ما لمسناه من سيل الدعاية الديماغوجية بعد عملية طوفان الأقصى، حيث تقاطر قادة الدول الغربية على تل أبيب معبرين عن موقفهم المؤيّد لها دون أي حرج لما يعانيه الشعب العربي الفلسطيني بشكل عام وسكان غزّة بشكل خاص من هدر سافر لأبسط الحقوق، بل التنكّر لحقّه في الوجود، مما يشكّل إدانةً لمواقف الحكومات الغربية، ويثير أسئلةً حول صدقية إيمانها بالدفاع عن قضايا حقوق الإنسان، تلك التي دائماً ما تثيرها بوجه منطقتنا وشعوبنا منزّهة نفسها من الارتكابات، بل مستخدمة دور القاضي في محاكمة أوضاع حقوق الإنسان العالمي، في الوقت الذي تغضّ النظر عن ممارساتها وممارسات حلفائها المنافية لأبسط حقوق الإنسان,

لقد أسقطت عملية طوفان الأقصى آخر ما تبقّى من أوراق التوت التي حاولت القوى الغربية المتنفذة التستّر خلفها وانكشفت عورتها اليوم على نحو صارخ، حيث افتُضح زيفها وممالأتها للعنصرية الصهيونية المنفلتة من عقالها، وهي تقوم بعملية حرب إبادة ضدّ سكّان غزّة العزّل باللجوء إلى تدمير البنية التحتية وقطع الماء والكهرباء والوقود والغذاء والدواء عما يزيد على مليوني إنسان أمام مرأى ومسمع من العالم.

أقول ذلك للأسف، انكشف نفاق الغرب وبهتان مزاعمه التي يبشّر فيها، والتي يستثني شعوبنا منها، وإلّا فكيف يؤيد حرباً شعواء ضدّ سكان آمنين.

هذه وغيرها أسئلة تواجه المفكرين العرب وفي مقدّمتهم د.حسين شعبان، تحتاج إلى حوارات مفتوحة وجادة، سواء مع الحكومات أم مع منظمات المجتمع المدني العالمية.

إن تكريم د.شعبان هو تكريم لكل مثقف عربي ساهم في عملية التقدّم والتنوير، وقدّم الكثير على صعيد حقوق الإنسان والتسامح والسلام واللّاعنف، وهو تكريم للثقافة والإنسانية والخلق الرفيع.

—-

(١) القائم بالأعمال الليبي لدى الاتحاد الأوروبي سابقاً، ناشطة سياسية ومدنية ومستشارة قضايا التنمية الإنسانية.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours