نمتار / كتب:المعمار علاء معن
في هذا النص ” فيما يُحايثُ الرثاء …السّير فوق سرير الماء” لا يكتب حسن عبد الحميد مرثية شعرية عن المعمارية الراحلة زها حديد، بقدر ما يسعى لتشييد فضاء يتماهى فيه مع مفاهيمها في العمارة، مثابرا في تحويل اللغة من وسيلة للشعر الى مادة بناء، وكأن الجُمل سطحا قابل للانحناء، والعبارات كتلة تنبض من داخلها
فعندما يقول :
“متى ما تهامى مطرُ الروحِ
عَذباً…
رخيّاً…
من آسى دمعةٍ استدارَ النهار..
عشيةَ عُمْرٍ واستفاقَ النَّهرُ..”
ليس ثمة اعتماد على إيقاع خارجي بقدر ما هناك تدفق داخلي يتشّكل عبر توقفات مثيرة، وتموجات حسّية، فيتحوّل السطر الشعري كما في:
”وأنْ نُسامِرَ شراشفَ سريرِها الممتدِّ كالماء“ الى خط بارامتري* ينحني بحسب العاطفة، لا بحسب الوزن، اذ لا حدّ نهائي للجملة كإنسياب الاسطح في أعمال زها حديد التي لا تبدأ ولا تنتهي بزوايا حادة.
وفي قلب هذا التشكيل المعماري لحسن عبد الحميد يتفجّر ”البياض“ لا بوصفه فراغا بل كتكوين يفرض نفسه، محمّل بنداء الضوء، يتجلى في عبارات: ” فيحيلَ البياضَ إلى محنةٍ … محنةٍ من بقايا بياضٍ أنيق“، ” البياضَ المُحايدَ للظنون“، حيث يبدو البياض عنصرا تراجيديا، يقف على تخوم الانكسار، مثل سطح معماري املس يخفي في صفائه مزيجا من الانفعال. ومن هذا ”البياض“ ينساب الموت، لا كقدر محتوم، بل كخلل في الرؤية، فيغدو اقرب الى خطأ في التصميم منه الى حتمية وجودية، يستحضره السؤال الكبير:
“لماذا لم يرتدِ الموتُ نظًاراتِه الطبيّةَ
لحظةَ اقتناصِ شهقتِها الأخيرة
وابتسامةِ ومضةِ عينيها ..؟”!

أما دجلة في هذا المشهد الشعري، فلم يظهر مجرد نهر فحسب، بل خطاً معمارياً يربط ما بين الحضور والغياب ”نُوقِدَ شموعَ خضرِ الياسِ فوقَ مغاربِ دجلةَ“، و بوصفه مسارا يؤرخ للذاكرة حين ”ينساب فوق مراثيه“. انه الخط المتعرج الذي يمنح النص حركته، كما تمنح خطوط زها حديد شكل تصميمها دون ان تفقد انفتاحه.
يستحضر النص عبارات مكثفة:
”ستعرفُ تأريخَ رحيلَها بهذا الإفصاحِ المُبللِّ بدموعِ مواعيدَ لمْ يَحنْ وقتُها حتى صراخِ النّجومِ في آخرِ قطعةٍ منْ عتمةِ ليلٍ بعيدٍ“، يتقدم بها المعنى عبر تفكيك زمني مدروس، حيث لا تُسلّم الفكرة مكتملة، بل تتشظّى الى وحدات صغيرة:
“أحياناً …. بلْ … في أحايينَ أخرى… كثيرةٍ
يحدثُ أنْ نكونَ بضوضاءِ غثياناتٍ
مُعلّقيِنَ منْ أطرافِ حَناجِرنا
نَتهجّى هذا كثيراً. .
ولكنّ… ما لم نتهجّاه حتى الآنَ:
“كيفَ … نُساوي ما بينَ النّدَمِ القادمِ
وما بينَ النَّدمِ المَحشوِّ
في قشرةِ … حجرٍ أسودَ
منْ قلبِ الأحزانِ”

وكأن النص يرفض الاستقرار على شكلٍ نهائي، لايوجد مركز ثابت، بل تدفق بصري يدفع القاريء الى اعادة ترتيب مساراته كما لو انه يتحرك داخل مبنى لا يُرى دفعة واحدة. هذا التدفق يمنح النص توترا داخليا، يحوّله من خطاب الى تجربة ، ومن جملة الى فضاء معماري قابل للاكتشاف.
وهكذا يتكوّن النص من جدلية دقيقة بين الانحناء والتوقف، انسياب في المشاعر يقابله تقطّع لغوي، خيال يتخلّق من التشظي، وشكل يرفض ان يستقر، لا يكتفي برثاء زها حديد بوصفها اسما، بل يحاول ان يعيد انتاج منهجها داخل اللغة ذاتها، ليصبح الشعر فعلا معماريا.
*الخط البارامتري: استنادا الى ”البيان البارامتري“ الذي اطلقه باتريك شوماخر شريك زها حديد عام 2008 بإعتباره اسلوب عالمي جديد يجسد فلسفة مكتب زها حديد.
مانشستر-بريطانيا
نيسان -بريل/ 2026
نص مرثية الشاعر حسن عبد الحميد ..
…. فيما يُحايثُ الرثّاء
السَّيْرُ فوقَ سَريرِ الماءِ
إلى …. زُها حديد … بكاملِ أنفاسِ الزَّهْوِ
شعر: حسن عبدالحميد

(فإنْ أوقفَكَ في الصُّراخِ … فنَمْ فيه )
النِّفرّي-*
– يحدثُ أنْ يكونَ الحبُّ غابةً
كما يحدثُ أنْ تكونَ الأرضُ،
ريشةً في جِنح يمامة
لكنْ …! متى ما تهامى مطرُ الروحِ
عَذباً…
رخيّاً…
من آسى دمعةٍ استدارَ النهارُ..
عشيةَ عُمْرٍ واستفاقَ النَّهرُ … أثرَ ريحٍ
على جُرحِ سَعفةٍ
فوقَ أعشابِ الأماني
واستلذَّ الدفءُ نَوْحاً…
عندَ أعتابِ الأغاني
بشهقةِ النّدى … ولوْنِ الرَّدى
إستماتَ الصَّوْتُ … سهواً
بلا عطرٍ..
غابَ ينأى..
وحيداً بالصَّدى..!
لكنّ ما لا يُحمد عقباه … أن يتسللَّ الموتُ،بخفّةِ لصٍّ ورجفةِ جفنٍ،فيحيلَ البياضَ إلى محنةٍ … محنةٍ من بقايا بياضٍ أنيق …. يُضيء فضائل وهج ليلِها المُعتم … وبما يحلو للسُّكونِ …أن يكونَ رديفاً لريشةِ ذكرى…في مهبِّ شُحوبٍ مُباغِتٍ… وحدَها كانتْ (زها) تعانقُ أطاليسها بِوِدِّ خشوعٍ ،وجفاءِ آسًى منْ عراقٍ قايض مَهِرَها… واغتال مُهرتَها … بمّا تبّقى من لُهاثٍ، ولهفةِ كلِّ ما خَصَّ به هذا البياضَ المُحايدَ للظنون. يحدثُ أنْ يقولَ قائلٌ: (الفنُ لا يُتقِنُ الإفصاحَ عنْ نفسِه، إلا اذا كان بلا شفتينِ) لكنْ لمْ يحدثْ أنْ كانت (زها حديد) ستعرفُ تأريخَ رحيلَها بهذا الإفصاحِ المُبللِّ بدموعِ مواعيدَ لمْ يَحنْ وقتُها حتى صراخِ النّجومِ في آخرِ قطعةٍ منْ عتمةِ ليلٍ بعيدٍ…أبعدَ من وحشةِ ناياتٍ لرعاةٍ لا يموتونَ قهراً وحسرةً أولوعةً من دُنُوِّ غياب… كانَ ذاكَ الليلُ في بدرِ(زها) أقربَ من أنينِ كماناتٍ تُهدي لحنَها باذخاً بعَتاقةِ حزنٍ لا يصلُ ضوءُ خيطٍ من أي ثوبٍ لصباحٍ قادم … يتهجّى (عراق)، بلا ال (التعريف)… تلكَ محنةُ عُتمةٍ … في عمقِ صراخٍ… نادى به ذلك (النِّفرّي) ذاتَ بياضٍ … وبوحٍ من روحٍ تائقةٍ لنداءات نقيضاً يفيضُ بوفرةِ معنًى لما يُدعى (حاضرةَ الموت) …
ربما كان المتنبي قاسياً حدّ النفور بزهاء بُرهةَ ما قال:
(وما الموتُ إلا سارقٌ دقّ شخصُهُ
يصولُ بلا كفٍ ويسعى بلا رجِلِ
إذا ما تأملّتَ الزمانَ وصَرْفَهُ
) تيقنّتَ أنَّ الموتَ ضربٌ من القتلِ
****
كان علينا أن نُرّتبَ أثاثَ الوداع، وأن نُودِّعَ أحلى الصبابا المُترفاتِ في خزائنِ خرائطِها، وأن نلتقط صوراً بطريقة (السيلفي) لها وللمباني القابضاتِ على أمواجِ البحرِ بأصابعَ من سِحرِ فجرٍ لا يَملُّ من وجعِ المراثي، وأنْ نُسامِرَ شراشفَ سريرِها الممتدِّ كالماء، وأنْ نُوقِدَ شموعَ خضرِ الياسِ فوقَ مغاربِ دجلةَ… كان علينا الكثير ممّا كان… يجبُ…وكان ! – مثلاً …؟! تسأل صديقي الذي أفاض يُحدق في عيون(زها)في واحدةٍ مما تركتَ(هي) من (ألبومات) صور،وتصوّرات لغدِ من مستقبلِ فجْرِ سُلالاتٍ قادماتٍ ،لا محالَ -كما نوّهت مراراً به- قلتُ أُكمل؛ أنْ نَفطمَ فم الليلِ من حليبِ الضوءِ، وأنْ نعيدَ تهجّي حروفِ النجومِ على وفقِ خارطةِ القلبِ قبلَ المَغيبِ، وأنْ نتحايلَ على أنفسِنا بالنسيان، لكنّي تذكّرتُ ما قالَه يوماً لنا (جوادُ الحطّاب)** مما أقوله الآن على ظهر قلب)
جئنا نغسلُ أنفسَنا بالنسيان
فأُصيبُ النسيانُ.. بداءِ الذكرى))
– لم أفهم… (قال صديقي بتوجسٍ،وعدم تركيز وبَطَرِ اهتِمام
أجبتُ باختصارٍ لا يخلو من مَكرٍ وتثاؤبِ عناد؛أحسن…. ثم رحتُ – وأنا أقلّبُ أوراقَ ما كتبتَ … زها…هي.. من شعري أنا.. لها:
لماذا لم يرتدِ الموتُ نظًاراتِه الطبيّةَ
لحظةَ اقتناصِ شهقتِها الأخيرة
وابتسامةِ ومضةِ عينيها ..؟!
ولماذا الخوفُ؟
لم يُلملّم ضَحِكاتِ المَباني
ويتملّى خرائطَ لم تنهضْ بعدُ
من غفوةِ ورقِها المُقوّى
وطيّاتِ طراوةِ أوراقِ الرّسمِ
كي يرى بأمِّ عينيْهِ
كيفَ ينسابُ دجلةُ فوقَ مَراثيه
في زهوِ… زها… العنيدةِ
كما نزقِ الطفولةِ..
وكما كبرياءِ … ماء ؟ّ!!!
أفي فتنةِ الغيابِ … ما يعاندَ جذوة الحبّ ؟
أحياناً …. بلْ … في أحايينَ أخرى… كثيرةٍ
يحدثُ أنْ نكونَ بضوضاءِ غثياناتٍ
مُعلّقيِنَ منْ أطرافِ حَناجِرنا
نَتجهّى هذا كثيراً
ولكنّ… ما لم نتهجّاه حتى الآنَ
كيفَ … نُساوي ما بينَ النّدَمِ القادمِ
و ما بينَ النَّدمِ المَحشوِّ
في قشرةِ … حجرٍ أسودَ
منْ قلبِ الأحزانِ
بغداد- نيسان 2016
*النُفرّي…محمد عبدالجبار المتصوّف العربي المعروف بعبارته الشهيرة؛(كلما ضاقت العبارة… أتسعت الرؤيا).
**جوادُ الحطاب… شاعر سبعيني مؤثر ومهم جدا في المشهد الشعريّ العراقي منذ ذلك الحين.
ملاحظة: النص منشور مع رسرمات للفنّان علي المندلاوي … في مجلة(رأينا) العدد(9) نهاية العام/2016
. المجلة شهريّة تصدر عن(المركز الستراتيجي للإعلام الوطني) ببغداد

+ There are no comments
Add yours