المتمرد الملتزم

د. محمد الرميحي

ماذا يمكن أن يُكتب عن هذا المفكر الموسوعي النجفي؟ فبجانب كونه مفكراً غير تقليدي، هو يحمل صفات إنسانية متميزة، يعرف مَن تعامَل معه سوية تلك الصفات، مِن تواضع وعلم غزير وودّ بالغ الرقة، هذا النجفي الذي تربى في بيئة نجفية دينية، ونشأ في أسرة متعلقة بالثقافة الإسلامية ولها موقع السدانة في مقام الإمام علي، لذلك كان القرآن الكريم هو المؤثر الأساس في تكوين قيمه الإنسانية، كما فهمه، وكما دله عليه عقله، ولكنه لم يكتف بذلك، فتشبّع بالثقافة المدنية اليسارية، وإضافة إلى كونه ينتمي إلى الطائفة الشيعية بحكم المولد، إلّا أن شغفه بالمعرفة أخذه إلى دراسة المذاهب الأربعة في الإسلام بجانب المذهب الشيعي، كما طور اطلاعه على الثقافة الدينية النصرانية والبوذية أيضاً وغيرها من الثقافات الدينية، من هنا تكونت الحصيلة المعرفية والخلفية الغنية لهذا الرجل المتميز.

النجف أخذته إلى بغداد للدراسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهناك في ستينيات القرن الماضي، كانت العراق وبخاصة بغداد تموج بالتيارات السياسية المختلفة، والطاغية منها التيارات الناصرية والبعثية والشيوعية، التي كانت تتنافس من أجل استقطاب الشباب العراقي في مرحلة كان الاتفاق على ازدراء الوضع السياسي القائم، فضلاً عن المشاجرات بين السياسيين، والتي شكّلت شبه (إقطاع سياسي)، فكان النفور من ذلك الواقع يأخذ الشباب الجامعي العراقي إلى تلك الجماعات الجديدة، وإن كانت دعوتها غير ناضجة، كما تبين لاحقاً من خلال الممارسة التي أفقدت العراق الكثير من موارده الاقتصادية والإنسانية.

الحزب الشيوعي كان أكثر تنظيماً في تلك المرحلة، وأفكاره الاشتراكية تجلب له الشباب، وكان من بين هؤلاء صاحبنا عبد الحسين شعبان، وكان الكثير من أبناء النجف الشباب قد التحق بذلك الحزب لما رفعه من شعارات تدعو إلى التحرر والعدالة.

لم يكتف شعبان بالترويج لأفكار الحزب، بل قام بدراسة أفكار ماركس ونقدها لاحقاً منتقلاً من الإيمانية التبشيرية إلى التساؤلية العقلية النقدية، علماً بأن الكثير من المعارك التي خاضها الشيوعيون خسروها أمام طغيان الفكر القومي على الساحة، بسبب تأثير دعوات عبد الناصر والبعثيين السوريين، ثم العراقيين.

اكتشف عبد الحسين من ذلك الصراع أن الفكر الماركسي فيه ما لا يتوافق مع الثقافة العربية التقليدية، وكان من الصعب التكيف معها كونها مرتكزة على التدين الشعبي، الذي يقبل به التيار القومي ولا يقبل به الحزب الشيوعي، وقد تم تهميش الحزب تدريجياً من العمل العام في العراق، وسردية ذلك معروفة لمن درس تلك الفترة. وقد قدّم في كتابه «تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف» مراجعة نقدية للتيار الماركسي التقليدي بما فيه النقد الماركسي لماركس في ضوء الطور الرابع للثورة الصناعية، بما شهدته من تطوّر غير مسبوق وهائل في مجالات العلم والتقانة وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية (الديجيتال) واقتصاد المعرفة، مشيراً إلى أن تعاليم ماركس كانت تصلح لعصره، فبعضها حتى وإن كان صالحاً فقد عفّى عليه الزمن، وبعضها الآخر أثبتت الحياة خطله، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة قراءة جديدة للمنهج، ناهيك عن استنباط أحكام وقوانين وقواعد جديدة في ظل المتغيرات العالمية.

لقد حصل ذلك المثقف الموسوعي عبد الحسين شعبان على منابع مختلفة للمعرفة، وظل وفياً للمبادئ الإنسانية التي يحملها الفكر الاشتراكي، مازجاً معها الأفكار الإنسانية الكبرى التي لها علاقة بحياة الإنسان وحريته، منها الخير والمروءة ونصرة المظلوم والدفاع عن الحق والانحياز إلى العدل والرحمة.

تلك المبادئ أخذت صاحبنا إلى مكان رفيع في الإطلالة على المشكلات الحياتية لمجتمعه العراقي وأيضاً العربي والعالمي، فانخرط في نضال طويل استغرق سنوات طوالاً يتابع قضايا حقوق الإنسان، وينظر في الدساتير العربية ومواءمتها للعصر الحديث، يكتب ويؤلف ويحاضر في جامعات ومعاهد مختلفة.

نشر عبد الحسين عدداً كبيراً من الكتب، وحسب معرفتي فله مخطوطات غير منشورة تمثّل حصيلة تجربته من الإنتاج الفكري.

ليس المجال هنا متاحاً لسرد ما أنتج هذا الكاتب المجدد من عناوين، ولكني أستذكر كتابه الموسوم «المحاكمة – المشهد المحذوف من دراما الخليج»، دار زيد، لندن، 1992 في تسعينيات القرن الماضي، والذي أخذ فيه موقفاً شاجباً لاحتلال الكويت، الفعل الشائن، وهو العراقي الذي قد عرّض نفسه وعائلته وقتها لانتقام نظام قمعي شرس، وفي الوقت الذي توارى الكثير من الكتّاب، خوفاً أو حتى تخلّياً عن المبادئ، كان صوته وقلمه مشرئبّين.

عبد الحسين من ذلك الطراز من المفكرين الذين يصدحون بما يعتقدون أنه حق، بصرف النظر على رأي الآخرين فيما يحدث.

ولعلّ دراسته للقانون في تشيكوسلوفاكيا أعطته بعداً آخر، وهو المقارنة بين نصوص القانون وتطبيقاته في الفضاء العربي، وهنا نجد دراسات عبد الحسين في القانون المقارن تغني القارئ العربي بزاد فكري ثمين، حيث يرى أن القانون ليس نصوصاً ولكن ثقافة أيضاً!

يمكن اعتبار عبد الحسين شعبان ناقداً موسوعياً، فقد كتب في العديد من المجالات، السياسية والاقتصادية والقانونية وفي الظواهر المختلفة لـ(الاجتماع السياسي)، مثل قضايا الإرهاب والإسلام، كما انشغل بالأدب والثقافة والشعر بشكل خاص، فكتب عن شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري أكثر من كتاب، آخرها كتاب «جواهر الجواهري» الذي كتبت مقدمته د.سعاد الصباح (2024)، كما كتب عن الشاعر الشعبي المتمرد مظفر النواب كتاباً بعنوان «مظفر النواب – رحلة البنفسج»، وتناول شخصيات فكرية وثقافية في كتاب موسوعي بعنوان «الزمن والنخب – في أنطولوجيا الثقافة العربية»، ضم بين دفتيه 48 شخصية عربية.

اليوم، الدكتور والصديق شعبان من المثقفين العرب القلائل المهتمين بالشأن العربي ومستقبل مجتمعات تمزقها الفرقة، وينال الجهل أو التجهيل منها القدح المعلى، هو ورفاقه مازالوا يجاهدون للوصول إلى مجتمع أفضل، متسامح ويعايش العصر.


أكاديمي كويتيأمين عام المجلس الوطني للثقافة والآداب سابقاً

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours