نمتار / كتب علي حسين
منذ أعوام وحياتنا تمتلئ بمطولات وأغنيات حماسية عن الديمقراطية والرفاهية والتنمية، وكمواطن أجد نفسي في مرات كثيرة لا أعرف ماذا أفعل حين أقرأ ما يكتبه بعض من يمارسون مهنة الإعلام، هل أضحك من العبث والكوميديا السوداء، أم أصمت من شدة الكآبة والحزن، من أبرز المضحكات والمبكيات التي حاصرتني الأسبوع الماضي ما قاله أحد المحللين السياسيين: “إن وزارة النفط هي درة التاج الشيعي”. لا أريد أن ألوم صاحبنا “المحلل” فهو رجل على باب الله، فقبله قرأنا ما هو أكثر كوميدية، حين أخبرنا السيد همام حمودي أن مشكلة العراق هي جرعة الديمقراطية الزائدة التي منحت للشعب، وأن العراق يعيش أزهى عصور الرفاهية والتنمية.. ربما أعطي الحق للسيد همام حمودي فهو يعيش في “بحبوحة” يحسده عليها ملايين العراقيين الذين ينتظرون الساعة التي تهل فيها الكهرباء. ينسى البعض أنه من العبث أن تبذل مجهوداً كي تحاول إقناع عاطل عن العمل بأن الديمقراطية العراقية غيرت مصائر الناس نحو الأحسن، ومن السذاجة أيضاً أن تحاول ذلك مع أرملة تنتظر أن تلتفت إليها الدولة.. إن تقييم البسطاء وإحساسهم الفطري يظل أحد المعايير المهمة في الحكم على التجربة السياسية.
بعد “23” عاماً من التغيير الذي سرقه السياسيون بكل طوائفهم، أعتقد أن العراقيين مستعدون أن يسامحوا جميع السياسيين والمسؤولين على الكوارث التي مرت بهم خلال السنوات الماضية، إذا شعروا بأن هناك بصيصاً من الأمل يحمله الغد إليهم.. يستطيع السياسي أو المسؤول أن يقول ما يشاء عن نواياه وخططه المستقبلية وعن الخير الذي يخبئه للعباد، لكن المواطن المسكين يريد أشياء ملموسة، هذا المواطن لن تسد “الخطابات” وبرامج “التوك شو” ومقولة أحد القافزين على الحبال: “وضع المحافظات جيد وإيجابي وبعضها يعتبر نموذجاً حقيقياً” لن تسكت جوع أطفاله، هذا المواطن لن توفر له شعارات براقة مثل “الإصلاح” و”نداء الوطن” سكناً لائقاً ولا علاجاً صحياً في مستشفيات متطورة. هذا المواطن لا يمكن الضحك عليه بشعار “القضاء على الفساد” وهو يرى أن الكهرباء وحدها نهبت من أمواله أكثر من ميزانية دولة مثل مصر.
المواطن الفقير الموجود في القرى والنواحي يريد طرقات نظيفة، يريد عملاً يوفر له الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لا يريد أن يقضي الصيف في بيروت والشتاء في دبي، يريد فقط أن يأكل ويشرب ويلبس. يريد تعليماً ينمي أحاسيسه ومعارفه ولا يحوله إلى طائفي ومتطرف، يريد أن يضمن أن كل ما أنفقه على أولاده من أجل التعليم سوف يجد مقابله وظيفة عندما ينهون دراستهم الجامعية، يريد مستشفى به الحد الأدنى من الإمكانات التي لا تجعله يموت من سوء الخدمة. هذا المواطن البسيط لا تشغله كثيراً معارك “الإطار التنسيقي” حول الوزارات، هو يريد أن يعيش تحت شعار “مواطنون لا رعايا”.



+ There are no comments
Add yours