نمتار / محمد صالح البدراني
منذ أن أعاد الباحث الأمريكي غراهام أليسون، كتابه الشهيرDestined for War
إحياء مفهوم “فخ ثيوسيديدس”، أصبح المصطلح يُستخدم بكثرة لتفسير التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة، واستخدام الرئيس الصيني له ليس الأول لكنه الأكثر مناسبة في الزمان والمكان، الفكرة الأصلية تعود إلى المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس”، مؤرخ يوناني قديم الذي وصف كيف أدى صعود أثينا وخوف إسبرطة منها إلى حرب مدمرة، ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة: “إن صعود أثينا والخوف الذي زرعه ذلك في إسبرطة جعلا الحرب حتمية”.
لكن تحويل هذا التفسير التاريخي إلى قانون ثابت لفهم كل صراع دولي قد يكون تبسيطًا مخلًا، فالعالم الحديث ليس نسخة مطابقة من المدن الإغريقية القديمة، والصراع الحالي لا يدور فقط بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة، بل بين نموذجين مختلفين في فهم الاقتصاد والمجتمع والإنسان نفسه”.
ليست طروادة جديدة
الخطأ الذي يقع فيه كثير من المحللين هو النظر إلى الصين باعتبارها مجرد “أثينا جديدة” أو منافس اقتصادي طبيعي للولايات المتحدة، بينما الواقع أعمق من ذلك بكثير، فالصين لا تمثل فقط قوة إنتاجية ضخمة، بل تقدم نموذجًا اقتصاديًا وسياسيًا هجينًا يصعب تصنيفه ضمن القوالب التقليدية.
الصين لم تبقَ شيوعية بالمعنى الكلاسيكي، ولم تصبح رأسمالية ليبرالية بالكامل، بل بنت نظامًا يمكن وصفه بأنه “رأسمالية منضبطة داخل إطار دولة مركزية”، السوق موجود، لكن الدولة لا تزال تمسك بالمفاصل الكبرى، الاستثمار موجود، لكن القرار الاستراتيجي ليس حرًا بالكامل، القطاع الخاص يعمل، لكنه لا يتحول إلى سلطة أعلى من الدولة كما حدث في كثير من الاقتصادات الغربية.
وهنا يكمن الفارق الجوهري، فالولايات المتحدة نشأت ضمن فلسفة ترى أن السوق الحر قادر وحده على تصحيح نفسه، وأن تراكم الثروة دليل نجاح، لكن هذا التصور مع الزمن أدى إلى تضخم نفوذ الشركات العملاقة، وتحول المال تدريجيًا إلى أداة تتحكم في السياسة والإعلام والانتخابات وحتى الثقافة العامة.
أما الصين، فقد رأت في ذلك خطرًا وجوديًا، ولهذا حاولت بناء صيغة مختلفة: السماح بالثروة، لكن دون السماح لها بابتلاع الدولة.
فلسفتان لا اقتصادان فقط
الخلاف بين الطرفين ليس مجرد تنافس على أشباه الموصلات أو الذكاء الاصطناعي أو الموانئ التجارية، إنه اختلاف في رؤية معنى النجاح نفسه.
في كثير من الأنظمة الرأسمالية الحديثة، يُنظر إلى الربح القليل باعتباره فشلًا نسبيًا، لأن منطق السوق يدفع دائمًا نحو نمو أكبر وعائد أعلى، المستثمر الذي يربح أقل من العام الماضي يشعر وكأنه خسر، حتى لو بقي غنيًا جدًا، ولهذا يتحول الاقتصاد إلى سباق دائم لا يعرف الاكتفاء.
أما في الثقافة الاقتصادية الصينية الحديثة، المتأثرة بمزيج من البراغماتية الآسيوية والتراث، فهناك تصور مختلف نسبيًا، الاستقرار والوفرة الطويلة أهم من القفزات السريعة، ولهذا نرى استعدادًا أكبر لقبول هوامش ربح أقل مقابل الحفاظ على البنية الصناعية والمجتمعية.
هذه ليست مسألة أخلاقية
النموذج الأمريكي الحديث يربط قيمة الإنسان غالبًا بقدرته على المنافسة والربح والإنتاج الفردي، بينما النموذج الصيني، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، لا يزال يمنح الدولة دور “المنظم الأعلى” الذي يقرر الاتجاه العام حتى لو قيد السوق أحيانًا.
هل تخاف أمريكا من الصين أم من نفسها؟
قد يكون السؤال الحقيقي ليس: هل ستتفوق الصين؟ بل: لماذا أصبحت الولايات المتحدة تشعر بهذا القلق أصلًا؟
القوة الأمريكية لم تبدأ بالضعف بسبب الصين فقط، بل بسبب تراكم اختلالات داخلية طويلة: تضخم مالي، ديون هائلة، تآكل الطبقة الوسطى، انتقال الصناعات إلى الخارج، وتحول الاقتصاد من الإنتاج الحقيقي إلى المضاربات والخدمات المالية.
في العقود الأخيرة، بدا أحيانًا أن النظام الأمريكي صار يعتمد على “استهلاك العالم” أكثر من إنتاجه، وعلى جذب العقول ورؤوس الأموال من الخارج لتعويض التراجع الداخلي، بل إن أجزاء صناعاتها تصنع خارجها وهذا ما يجعل التحدي الصيني مزعجًا؛ لأن الصين لا تنافس أمريكا عسكريًا فقط، بل تنافسها في فكرة الدولة القادرة على التخطيط طويل الأمد.
عندما تحدث رئيس الصين عن “النهضة الصينية” وعن ضرورة محاربة الفقر وإعادة بناء الصناعة المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج، فإنه كان يطرح رؤية تعتبر أن بقاء الدولة أهم من حرية السوق المطلقة.
في المقابل، كثير من النخب الغربية باتت تُنتج داخل بيئة سياسية تعتمد بصورة متزايدة على التمويل الإعلامي والاقتصادي، حيث يصبح الوصول إلى السلطة مرتبطًا بالدعم المالي والحملات المكلفة وشبكات المصالح، وهنا يظهر التناقض الحاد بين رئيس صعد عبر مشروع طويل داخل حزب ودولة مركزية، وبين أنظمة انتخابية قد يتمكن فيها المال من صناعة الوجوه السياسية بسرعة كبيرة.
فخ ثيوسيديدس الحقيقي
ربما لا يكون “فخ ثيوسيديدس” الحقيقي هو خوف القوة القديمة من القوة الجديدة، بل عجز الأنظمة عن إصلاح نفسها قبل لحظة الانفجار.
الإمبراطوريات لا تسقط دائمًا بسبب الغزو الخارجي، بل كثيرًا ما تنهار عندما تصبح غير قادرة على تصحيح اختلالاتها الداخلية، روما لم تسقط لأن البرابرة كانوا أقوى حضاريًا، بل لأن البنية الداخلية نفسها كانت قد أصبحت هشة ومتآكلة
والخطر على الولايات المتحدة اليوم ليس فقط في صعود الصين، بل في استمرار نموذج اقتصادي يجعل الإنسان وقته وصحته وعلاقاته مجرد وقود دائم لعجلة الاستهلاك والإنتاج.
إذا تحولت المجتمعات إلى سباق لا نهائي من أجل الأرباح والأسواق والأسهم، فإن التآكل يصبح داخليًا حتى لو بقيت القوة العسكرية ضخمة.
ما بعد الصراع
الصين نفسها ليست نموذجًا مثاليًا، ولديها مشكلاتها العميقة، مركزية السلطة، الرقابة العالية، التفاوت الاجتماعي، وأزمات ديموغرافية واقتصادية محتملة، لكنها مع ذلك فرضت سؤالًا مهمًا على العالم.
الصين في نظر الغرب عملاق يجب أن يبقى نائما (مقولة نابليون بونابرت الشهيرة: “دعوا الصين تنام، فعندما تستيقظ، سيهتز العالم”.)، والصين تاريخيا ليست هكذا فحروبها داخلية ولم يسبق لها أن بادرت هجوما عبر التاريخ وبمساحتها الأكبر من الصين الحالية، لكن اليوم تريد العيش ومنعها سيواجه حتما بحرب وجود؛ فهل يمكن بناء نظام اقتصادي يستفيد من السوق دون أن يتحول الإنسان إلى مجرد رقم داخل السوق؟ هذا السؤال هو جوهر الصراع الحقيقي.
ولعل مستقبل العالم لن يُحسم بمن يملك حاملات طائرات أكثر، بل بمن ينجح في بناء نموذج يمنح الإنسان معنى للحياة خارج الاستهلاك الدائم والخوف الاقتصادي المستمر.
لهذا فإن أي محاولة أمريكية لمواجهة الصين عبر الاحتواء العسكري أو العقوبات فقط قد تؤخر المشكلة لكنها لن تحلها، الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، إعادة بناء الصناعة، تقليل هيمنة المال على السياسة، إعادة الاعتبار للعمل والإنتاج الحقيقي، ومحاولة خلق توازن جديد بين السوق والمجتمع.
ليست الأزمة محصورة في أحد النظامين، بل يعاني كلاهما من خلل داخلي بأشكال متعددة، ومع ذلك، فإن الصراع على الموارد والأسواق والتفوق التكنولوجي، إذا لم يُدار بحكمة وتفاهم متبادل، فإن «فخ ثيوسيديدس» سيبقى قائماً، وستظل قصة أثينا وإسبرطة تتكرر بأدوات أكثر تدميراً.




+ There are no comments
Add yours