المثقف المشتبك وثقافة المواطنة بين نمطية الانتماء والهويات المتقاتلة .. المفكِّر الإنساني عبد الحسين شعبان أنموذجاً

د.محمد الحوراني

 

أن تتحدّث عن الحرب وتبعاتها يعني أن تتحدّث عن أخطر التحديات والتهديدات التي تواجه أمةً من الأمم أو شعباً من الشعوب، ذلك أن الحرب تستهدف وجود الأمة وهويتها بوصفها الذات والوجود معاً، وبالتالي لا يمكن السيطرة على أي أمة دون محو هويتها التي هي مصدر اعتزازها وفخرها.. ولعلّ هذا هو السبب الرئيس وراء الحرب على الهوية والثقافة العربية بوصفها ثقافة حضارية قائمة على العروبة بكل ما فيها من بهاء وانفتاح على الآخر وثقافته المبنية على المحبّة والتكامل والتسامح. وبين فضاءات الثابت والمتحوّل وفي خضمّ ما يدعى بالعولمة الثقافية بتيّاراتها العابرة للحدود، والتي تروّج لها وسائل الإعلام، ولا سيَّما الافتراضيّة منها أكثر من سابقتها التقليديّة؛ ولأن الشعوب التي تحافظ على هويّاتها لا تموت. كان لا بدَّ للمفكرين والباحثين الحقيقيّين من القيام بدورهم الرسوليّ من أجل الحفاظ على هوية أمتهم والدفاع عنها وحمايتها، ورفع الصوت عالياً من أجل هذا، وهو الموقف الذي يجده المرء حاضراً بقوة في كتابات وأبحاث ومحاضرات الباحث والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، من خلال دعوته المؤسسات الوطنية لوقفة جادّة حيال مجتمعاتنا العربيّة للعمل على ترسيخ هويّاتها الثقافيّة، مقابل هذه الهجمات العابرة للحدود من جهة أولى وشيوع ثقافة السخف والانحلال من جهة أخرى، وهي الثقافة القائمة على الليبراليّة الجديدة والمتقاطعة مع مخططات ضرب الهوية وتفتيت الأوطان، ولهذا نجد أن مفكرنا يتعامل مع الهوية بعيداً عن اللغة الخشبية، ومفردات التخوين تجاه شركائنا في الوطن من أصحاب الهويات والثقافات المتعددة، وانطلاقاً منه فإن ما يشكّل هويتنا الثقافيّة، وفق الرؤية الشعبانية، انتماؤنا الجغرافي والتاريخي بالإضافة إلى مكوّننا الثقافيّ التراكميّ الذي أفرزته مختلف الحضارات التي صنعت خصوصيّتنا كمجتمع عربيّ متنوّع من حيث الانتماءات القبلية المتعدّدة؛ لكن تظلّ تصهره أواصر التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك أمام تحديات الآخر الذي لا يفتأ بكلّ ما يستطيع من أساليب الهيمنة التقليدية المكشوفة والأخرى الملتبسة، والمموّهة بأصباغٍ بعضُها ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، بهدف تضليل النشء الجديد ودمجه ضمن عجلة الثقافة الاستهلاكية وأوهام ما يُسمى بالمواطنة الافتراضية؛ التي يقدّمها الانفتاح الهائل للأفراد على تقنيات الديجيتال، وتؤدي إلى سيطرة الفردية على سلوك الشخص الذي أصبح يستطيع بكبسة زر عبور الحدود المكانية وتجاوز الاختلافات الثقافية والخصوصيات المجتمعية؛ ليصطدم بمجرد إغلاقه شاشته بتوحّش تلك الحدود والاختلافات بشكل أكبر بكثير مما هي في الواقع؛ ما يشعره بالتكلّس والوحدة وعدم التأقلم في مجتمعه مع اليأس والعجز عن مواكبة الآخر. هكذا يجد القارئ لكتابات مفكرنا وباحثنا الأصيل مقدار الخشية والخوف عنده على مستقبل الأمة وشبابها، وهو الذي خبر الغرب وتوغل في أفكاره وكشف كثيراً من مخططاته الرامية إلى تفكيك مجتمعاتنا، من خلال النيل من هويتنا الوطنية الجامعة وزعزعتها.

ولهذا فلا غرابة أن ينتقد الباحث والمفكر المشتبك الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه (الهوية والمواطنة.. البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة) كثيراً من أساليب التعاطي مع الهوية العربية، فضلاً عن تنظيره المختلف لأزمة الهوية عربياً وعرض إشكالياتها بدءاً من أزماتها الذاتية العائدة إلى ظروف نشأتها وتفاعلها مع محيطها، وملابسات تشتّتها بين هويّات فرعيّة صغيرة، وصولاً إلى أزمتها إزاء تحديّات العولمة في محاولة الأخيرة لإفراغها من محتواها وإلغاء خصوصيتها وتطويعها؛ وفق مسارات لا تخدم مشروعية بقائها وازدهارها، ثم الوقوف في وجه هذه التحديات بالانفتاح والتفاعل واحترام الحقوق والحريّات كبديل عن العزلة والانغلاق والاستبداد، وإلى جدليّة الهوية في الأدبيّات، وإشكالاتها السياسية والأيديولوجية والإثنيّة والدينية والمذهبية والنفسية والثقافية، وإمكانيّة بثّ الحياة والتجدّد فيها، وتخليصها مما لحق بها من آفات؛ بمحاولة إلغاء ثباتها من خلال عمليّة إبداعيّة واعية مستمرّة ومفتوحة.

وتطرّقه إلى مكابدة الحفاظ على الهويّة في أدبيّات المنافي واللجوء، وتلك المعاناة العظيمة وبخاصة للنخب الثقافية من تداعيات فقدان الهويّة الأصليّة من جهة؛ وعدم القدرة على التكيّف مع الهويّة الجديدة من جهة أخرى ما يؤدي إلى ازدواجية الهويّة، وبالتالي ازدواجيّة المواطنة، ولما كانت أزمة المواطنة عميقة في مجتمعاتنا العربية فقد طرح عبد الحسين شعبان مبدأ المواطنة العضوية في الدولة الحديثة، القائمة على سيادة القانون وقواعد العدل والمساواة، والحق في المشاركة ليتم تعايش الهويّات الفرعية متوافقة كانت أو متنافرة مع الهوية العامة، واحترام حقوق الإنسان؛ بغضّ النظر عن انتمائه الضيّق سواءً أكان إلى أقليّة أم أكثريّة.. فلا بدّ من تعزيز ثقافة المواطنة بترسيخها كفكرة مشتركة وقناعة جماعية، وصولاً إلى مواطنة فاعلة تقوم على العدل، ضمن منظومة الدولة الثابتة والمستمرة وليس سيطرة السلطات المتواترة.

والتمسك بالهوية الوطنية عند عبد الحسين شعبان لا يعني الانطواء على الذات، ورفض الآخر، بقدر ما يعني التمسك بالانتماء وتحقيق الوحدة الوطنية العليا بين مكونات المجتمع جميعها، من خلال ثقافة مشتركة تعكس الواقع وتعبر عن طموحات المستقبل، وهي ثقافة لا تترسخ إلا من خلال المناهج التربوية والتعليمية، ومن خلال إعلام وثقافة قائمين على أسس قيمية ومعرفية، منطلقة من تفكير منهجي أساسه المرونة ورفض العنف والتطرف والتعصب، وهو تفكير يقوم على احترام التنوع والاختلاف والإخلاص للوطن ورموزه، والتفاني في سبيل استقلاله وحريته؛ وهو ما لا يتحقق إلا بتعزيز كرامة الفرد وتعزيز حريته، وهنا يمكننا الحديث عن انتماء حقيقي، عصيِّ على الضعف والانهيار، أمام المغريات جميعها، وهو انتماء قائم على التوجه الإنساني المجرد من النزعات القبلية والثأرية والدوافع الطائفية، وهذا ما يمكن التعويل عليه في خلق وطن قوي متماسك، ومجتمع قائم على أسس أخلاقية قويمة؛ يرفض أيّ محاولة تستهدف النيل من الوطن وكرامته، مما يعني المساهمة الفاعلة في إفشال الدعوات لخلق دويلات طائفية، وتكريس أمراء الحروب الراغبين في تقويض أسس الدولة الوطنية.

ولعل معرفة باحثنا بواقع أبنائنا في المجتمعات الغربية، جعله يتحدث حديث العارف الخبير عنها، حيث يرى أنه مع تواتر موجات الهجرة والنزوح من الدول العربيّة باتجاه الغرب، تتفاقم أزمات المنافي والمغتربات من ثنائيات الولاء والانتماء والمواطنة والجنسيّة وازدواجيّة الهويّة على اختلاف وعي المهاجرين ومدى تمسّكهم بهويّتهم الأصليّة، أمام اندماجهم في الهويّة المكتسبة التي ستحتلّ بالتدريج مكانة أولى للأجيال اللاحقة في رحلة المهجر ضمن دوّامة هويّات مزدوجة ومركّبة؛ حاملة عناصر تلاقح ديناميكيّة يصعب الفكاك منها، ولا سيَّما في مسألة الدين واللغة، ما يؤثر في العادات والتقاليد والأدب والفن وطريقة الحياة؛ إذ سرعان ما يقف المغترب أمام الصدمة الأولى كما عبّر عنها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه (خارج المكان)؛ فقد تحدّث عن الصورة المعقّدة والمركّبة والمزدوجة بين الوطن والمنفى أو المُغتَرَب؛ فكل شيء يقابله تعويض مناسب، فداحة فقدان الوطن تعوضها الحريّة، والخوف تعوّضه الوثيقة التي تعترف بالشخص وأهليّته القانونيّة، بينما الاستقرار والحاجة إلى التعليم والمورد والعائلة يقابل أزمة النفي والاغتراب.. فلا يظلّ أمام المغترب سوى التّمسّك بهويّته كجسر بين ماضٍ لا يمكن تخطّيه ولا نسيانه، وحاضرٍ قد لا يستمرّ، وفيما بينهما مستقبل في علم الغيب.. بين ذاكرةٍ زاخرة بأحداث الماضي وصور الخيبات والآمال والفرح والحزن، وواقعٍ ملتبسٍ وغامضٍ ومتناقض.. إنّه صراع بين هويّة مكوّنة مُسبقاً وأخرى قد لا تكون اختيارية أحياناً.. بين عقليّة شرقيّة محافظة وأخرى متحلّلة نفسيّاً ودينيّاً واجتماعيّاً وقانونيّاً من كلّ ما فرضت سابقتها؛ الأمر الذي يطرح مسألة الهويّة والانتماء والمواطنة بدلالاتها الثقافيّة والاجتماعيّة وليس فقط القانونيّة.

ولا يخفى على أحد أن الأماكن لها حضورها الكبير في الهُويَّة مثل هذا الشعور المهاجر إلى أعماق البدايات، حيث تظهر «الذكريات» مرة أخرى بطرق غير متوقعة، أو كصدى لنداء قديم، مما يدفع إلى التفكير في الماضي والحاضر معاً في بارقة، أو طرفة خاطر واحدة؛ وهذه ليست سوى بعض الطرق، التي يستكشف بها الفلاسفة العلاقة بين «المكان» و»الذاكرة» و»الهوية». ويمكن أن يساعدنا فهم هذه العلاقة على تقدير قوة «المكان» في تشكيل حياتنا وذكرياتنا؛ مرتبطة بكل تفاصيل هويتنا. ولذلك، فإن العلاقة بين «المكان» و»الذاكرة» و»الهوية» هي مفترق طرق رائع للبحث الفلسفي، رغم أنه مجال فكري معقد ومتطور باستمرار، مع عدم وجود إجابات سهلة لكل ما يُطرحُ حولها من أسئلة. ولكن من خلال التفكير في هذه الأسئلة، نكتسب فهماً أعمق لأنفسنا والعالم من حولنا، حتى قبل محاولة الإجابة عليها. فـ»الذاكرة» هي الأساس لـ»الهوية»، إذ يعتقد العديد من الفلاسفة؛ مثل جون لوك وتوماس ريد، أن ذكرياتنا هي حجر الزاوية في إحساسنا بالذات.

وغالباً ما ترتبط معاني هذه «الهوية» بذكرياتنا بـ»أماكن» محددة، وفي أحيان كثيرة تُعيد تَذَكُّر تجربة سابقة إلى الأذهان المساحة المادية، التي حدثت فيها وكأنها كانت «مكان» اكتشاف «الذات» وأهم شروط «الهُويّة». فنحن، في بعض الأحيان، نُسافر إلى «أماكن» جديدة خصيصاً لتكوين ذكريات جديدة، واكتشاف جوانب من أنفسنا لم نكن على دراية بها من قبل، لأن «المكان» المُشَكِّل لهويتنا وضع لها إطاراً تُعَرَّفُ من خلال مكوناته الغالبة، وقد تُفيد المقاربة في فهم هذا الإطار بشكل أفضل، كما أنّ الاشتغال على إستراتيجيّة ثقافيّة تاريخيّة أثريّة تقوم على مبدأ الربط والتعشيق بين الأماكن والآثار، وربطهما بمفهوم الهُويّة وعناصره، يمكن أن يُسهم إسهاماً كبيراً بتحصين الهُويّة بين أبناء المجتمع.

وهذه هي الإستراتيجية «الشعبانيّة» التي اعتمدها باحثنا في تأصيلهِ مفهوم الهُويّة وتجذيرِها، فهو لا يريدها علاقة نمطية تقليدية قائمة على الرؤية التقليديةِ التخوينيّةِ للهُويّات المتعدّدةِ وإنَّما يريدها هُويّة حضاريّة أصيلة ومنفتحة، قائمة على تعدّد الثقافات وتنوعها وتكاملها لأنّها تزيد من قوّة المجتمع ووحدته، وعندما يجنح السياسيّ والباحث تجاه الرؤية التقليديّةِ فإنَّه يأخذنا جميعاً تجاه الهُويّات القاتلة؛ حسب رؤية «أمين معلوف»، وبهذا يكون الباحث والسياسي قد قدما خدمةً جليلةً للمشروعِ الصهيوني التكفيري من خلالِ الإسهامِ في تفتيتِ الوطن وتمزيقه ثقافياً وهُويّاتياً.

وفي هذا يتقاطع مفهوم الهُويَّة ودلالاتها عند عبد الحسين شعبان مع مفهومها عند المفكّر اللبناني «علي حرب» إذ يقول: «علينا أن لا نخشى من كونها تجمع بين التعدّد والتعارض، وبين الاعتدال والالتباس في آنٍ واحد، وهي ليست هاجساً مخيفاً، يجب أن ننهج تجاهه سياسة الاحتراز، أو أن نقف ضدها كحرّاس للقيّم. بل هي إمكان منفتح يعطي قابلية للتطويع والتحويل لما يتلاءم معنا. وفي صميم عملية التحويل هذه والتطويع، يمكن للهوية أن تتجدّد وتتمدّد، فالهوية ليست شيئاً ثابتاً، بل هي صيرورة مستمرة للذات والمجتمع”.

كما أن وعي الهُويّة، بشقيها الذاتي والشخصي، ينبثق من وعي المكان (الوطن) والآخر أيّاً كان نوعه وجنسه، وثقافته ودرجة ارتقائه أو تخلفه، والثقافة بوصفها وعياً وثقافةً وإرادةً تصبح مبدأ ملزماً لكلّ من يتصف بها؛ لتجسيد فعل المشاركة الحيوي في الوجود الجامع، وفق أسلوب حياة تستند إلى القيم الفاصلة والمبادئ الخيرة الحرّة والقوانين والأنظمة التي تنبثق من العقد الاجتماعي الذي يوافق عليه الجميع وارتضوه لأنفسهم، وهو العقد الذي ينبغي أن تؤسّس عليه دولة المواطنة التي تحقق العدالة والحرية للجميع دون استثناء.

ولما كان تراثنا الحضاري جزءاً لا يتجزّأ من هويتنا، فإن الدكتور شعبان يرى في مصادرة تراثنا الحضاريّ العربيّ من خلال سرقة المتاحف والمواقع الأثريّة، خطوة لتدمير الثقافة العربيّة؛ بالتزامن مع تدمير الشعب العربيّ إنسانيّاً وجسديّاً ونفسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً.. كلّ ذلك في ظل صمت مطبق من المجتمع الدوليّ يغطّي جرائم سماسرة الحرب الذين يُلبّون طلبات من يدفع أكثر لتصل الكنوز الأثريّة الفريدة إلى متاحف أوروبا وتل أبيب، ولهذا كان من الطبيعي أن يربط باحثنا بين ما يقوم به الاحتلال وما تقوم به التنظيمات الإرهابية التكفيرية من حروب همجية على القيم والثقافة والهوية والحضارة، ويا لها من شهادة لما روى عن مجزرة متحف الموصل وحريق مكتبتها، التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابيّ، يوم تيقّن أنّ للحجر كما للبشر روحاً.. هناك على بوّابة (نركال) رمز حضارة الآشوريّين كان الثور المجنّح بثلاثيّة التآخي بين رأس إنسان يمثّل العقل وجناحي نسر يرمز إلى التحليق وجسد ثور يشير إلى القوّة، كان يبكي بصمتٍ بينما يُنحَر ويُقطع جناحاه ويُهشّم جسده، بصمتٍ سمعه أهل الموصل الذين كوتهم نار الإرهاب، وهنا اختلط بكاء البشر ببكاء الحجر على وقع مذبحة مدينة النمرود؛ التي بناها الملك الآشوريّ (شلمنصر الأوّل) على ضفاف دجلة جنوب المدينة.

كلّ ذلك أمام مرأى ومسمع العالم الذي اكتفى بتوصيف منظمة اليونسكو أنّ هذا يُعدُّ (جريمة حرب) دون أيّ تدخّل فعليّ لوقف الجريمة.

لقد أراد مرتكبو هذا الاعتداء ومِن ورائهم المستفيدون منه بتحطيم التماثيل ونهب الآثار التاريخيّة والكنوز النفيسة (محو التاريخ)، وهم أنفسهم مَن قطع رؤوس الأبرياء واستباح حرماتهم ليضطرّ مَن بقي منهم للنزوح والهجرة القسريّة، هم أنفسهم مَن دمرّوا جامع النبي يونس وجامع النبي شيث وعشرات الجوامع والكنائس والأديرة والمعابد، إنهم أنفسهم من استهدف البشر والحجر والبيئة والثروة والمجتمع والثقافة والفكر؛ وكل ما له علاقة بأمان الإنسان.

وأمام هول هذه المأساة وهمجيتها يتذكر شعبان تلك المذيعة (الإسرائيليّة) التي دعت قوّات الاحتلال إلى قصف المواقع الأثريّة العراقية من البرّ والبحر والجوّ؛ لأنّها برأيها أهمّ من أسلحة الدمار الشامل، وهو ما يعني سحق وتدمير كلّ ما له علاقة بالتراث المادي واللامادي؛ لأنّه يشكل ركناً أساسيّاً وعنصراً مهمّاً من عناصر الهُويّة، وبالتالي فإنّ كلّ ما قام به المحتل والإرهاب في هذا المجال كان الهدف منه محو التاريخ وتدمير الذاكرة وفكفكة الهُويّة الوطنية الجامعة تمهيداً للقضاء على عناصرها كافة.

هذا هو الباحث والمفكر الوطني الأصيل الدكتور عبد الحسين شعبان في عمقه ورصانة فكره ونقده لسلبيات مجتمعه، إنه المسكون بثقافة أمته والحريص على حماية هويتها الوطنية؛ وتحصينها لجعلها قادرة على الوقوف في وجه التحديات والتغلب عليها؛ وهذا لا يتحقق إلا من خلال أسسٍ وركائزَ؛ يأتي في مقدمتها احترام الحقوق الثقافية، وتعزيز ثقافة المواطنة القائمة على الاعتراف بحقوق الآخر، وحرية المجتمع القائمة على القيم والأخلاق التي تحمي مجتمعاتنا من التفكك والانحلال.

———–

رئيس اتحاد الكتّاب العرب السابق – دمشق

 

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours