خشبةٌ تعبر الشاشات… قراءة في تحولات المسرح الرقمي

نمتار / قحطان جاسم جواد

صدر حديثًا للدكتور عماد هادي الخفاجي كتابه الجديد الموسوم «المسرح في زمن الثورة الرقمية… الوعي الجمالي وجدلية الحضور والاصطناع»، في محاولة فكرية جادة لاستكشاف التحولات العميقة التي طرأت على فن المسرح تحت تأثير الثورة الرقمية، وما أفرزته من أسئلة جمالية ومعرفية غير مسبوقة.

ينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن التداخل المتسارع بين العالمين المادي والرقمي لم يترك المسرح بمنأى عن التحوّل؛ إذ لم يعد العرض محصورًا بخشبة تقليدية وجمهور يجلس في قاعة مظلمة، بل غدا تجربة ممتدة تنساب عبر الشاشات، وتتقاطع فيها الأبعاد الواقعية بالافتراضية. في هذا الفضاء الجديد، يتشابك الجسد مع التقنية، والكود مع الفكرة، والتفاعل مع الانغماس، ليُطرح السؤال الجوهري: هل ما يزال المسرح هو ذاته، أم أننا إزاء كائن فني جديد يعيد تشكيل هويته وأدواته؟

الكتاب، الذي يتوزع على عشرين فصلًا، يأخذ القارئ في رحلة استكشافية تتجاوز القوالب الكلاسيكية لفن المسرح، لتغوص في عمق الرقمنة وما بعدها. هنا تتبدّى أسئلة تتعلق بمعنى الجسد حين يتشظّى في الفضاء الرقمي، وبالتجربة الجمالية حين تتخطى حدود التلقي البصري إلى إدراك متعدد الأبعاد، يدمج الصوت والصورة والحركة والتفاعل الحي في آنٍ واحد.

ويؤكد الخفاجي أن الثورة الرقمية لم تُحدث تغييرًا تقنيًا فحسب، بل أعادت تشكيل اللغة المسرحية ذاتها، وأنماط التفاعل مع الجمهور، وصولًا إلى صياغة الفضاء السينوغرافي الذي بات يحتضن أبعادًا غير مرئية لكنها فاعلة ومؤثرة. ومن ثمّ، فالكتاب لا يقتصر على تأمل أدوات التكنولوجيا الحديثة، بل يطرح دعوة صريحة إلى تعميق الوعي الجمالي وإعادة مساءلة مفاهيم الأداء والتلقي والمعنى في سياق التحولات الرقمية المتسارعة.

واستنادًا إلى هذا التصور، يفكك المؤلف البُنى المتشابكة التي تربط بين الممثل وجسده، والمخرج وأدواته التقنية، والجمهور والعرض، بوصفه فعلًا حيًا متحولًا يتشكل باستمرار داخل فضاءات زمنية وتقنية وجمالية متجددة. إنها علاقات لم تعد مستقرة أو تقليدية، بل تحوّلت إلى شبكة ديناميكية من التفاعلات تتجاوز الثنائيات الكلاسيكية، وتعيد صياغة مفهوم الحضور ذاته.

وفي خلاصة رؤيته، يرى الخفاجي أن هذا التداخل الخلّاق بين الإنسان والتقنية يفضي إلى ملامح مسرح جديد، لا يكتفي بإعادة النظر في أدواته وأسئلته، بل يعيد تعريف ذاته في عالم سريع التحوّل، حيث تغدو الرقمنة كيانًا جماليًا فاعلًا يعيد تشكيل مفاهيم الحضور والأداء والتمثيل، في زمن تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والرمز، وبين الجسد والصورة، وبين الخشبة والشاشة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours