في الشعر تتسعُ فسحة الجمال حتى تغدو حلما آسرا , وفي الشعر تحلق شهقات الروح , وهي تعيد انتاج النسيج اللغوي بجرأة طفل يكتشفُ الأشياء , فيسميها بما توحي به رؤيته الطرية , هكذا إذن تجري سواقي الشعر في حقول العالم , غنجها يكمن في اللانهائي الذي يجعلها متباهية أمام فنون التعبير الأخرى , حيث تلتجئ غليها الأفكار حين تضيق آفاق بوحها , لذلك يصبح الشاعر كائنا محلقا , مبتهجا حتى بأحزانه الرقيقة , لأنه يرسمها أغنية جامحة.
والشعر الحقيقي , ليس كتابة تتناول موضوعا بعينه , لتشرحه للمتلقي , يقول أدونيس ” كل شيء ممكن، لكن لا شيء ممكن: أليس هذا مأزق الكتابة ” ..الشعر ينفلت من هذا المأزق ضاحكا , ليغدو مهرجانا لحبّات السكّر , وأي مهرجان , أيُّ سكّر , هذا الذي يغدو ألوان فرح , إنه حسن عبد الحميد , الشاعر الذي أجّل ظهور ديوانه الشعري , رغم أن له كما كبيرا من القصائد ذات المسحة الجمالية الخاصة , المحمّلة بذائقة دقيقة ووعي عميق , وإحساس جامح بالعالم , وهو إذن يطل بمجموعته , التي تشبه باقات ورد ملونة نثرها في ثنايا العالم , وقد أهداها لصانع الجمال الأنيق سلطان الخطيب ..وقدمها بسطور بوح مترف بالرهافة والرقة والشجن النبيل , ومما قاله ” ” هذه الومضات لا تعرف الحزن , رغم أنها تشرّبت فيه , تتوسد الدهشة بوعي ” من المؤكد أن هذا بيان فني أطلقه الشاعر مؤكدا مغزى تجربته , فالحزن ملاذ آمن , لأن هناك وعيا ودهشة , هما الإناء الأمين لزئبق الشعر , لكن ما قدمه ليس ومضات , ولا قصائد قصار , ولا هايكو , إنه الشعر بامتياز , فالمقاسات لم تعد معيارا , لم تعد الشعر خاضعا لتصنيفات تقليدية , ولم تعد طوال القصائد العصماء مقبولة لدى المتذوق الحديث , الذي جرت الحداثة في عروقه , حياة وتقنيات وحتى أحاسيس ومشاعر , لذلك فإن ما جاء في مجموعة ” مهرجان حبات السكّر ” شعرا مكثفا لا زوائد فيه ولا حشو , ولا إفاضات أو شرح أو وجانية , هناك لمحة , وهناك لوحة , والتقاطات جمالية , وهناك إحساس بالعالم , يقول الشاعر محمود درويش ” أعترف بأني تعبت من طول الحلم الذي يعيدني إلى أوله وإلى آخري دون أن نلتقي في أي صباح ” وهذا الاعتراف تكاد تقوله قصائد الشاعر ,
فهو حين يقول :
عندما تثاءبت الوردة
في الغصن
أغمض القمر جفنيه
وغط في نوم
عميق
يجعل الأشياء حية , فالوردة تسترخي وتتثاءب , والقمر ينام , والشاعر يرى ويرصد , ويغمض عيون العالم كله , ليجمع تفاصيل صورة لا يمكن حدوثها إلا في الشعر , فلنتأمل هذه الـ”مفارقة” :”
اغلقت الباب
على الليل
وأغريته بالقصائد
دق الصبح علينا الباب
يريد ثمن المبيت
هذه قصيدة مكتملة , ليشرح عليها الشارحون ما يريدون من تأويل وتفسير قد يخضعونه للعلوم المتخصصة , وتعابير الذات الإنسانية , لكنه يبقى متاحا , لا ينغلق على معنى محدد بل يتعداه إلى تأويل محلق , فهو ومن خلال كلمات قليلة يؤسس لفضاء واسع , لا يستمكن بسهولة , فهنا باب , وليل , وقصائد , وصباح , وحادثة غير ممكنة في الواقع وهكذا مع :
الشتاء قارص جدا وعنيد
بيد أن البرد يجوب الطرقات
بلا معطف
من خوف
أو قفاز
………………….
أو:
أحيانا
ينساني النوم
فتحتشد الأحلام
على بابي
بكل حنوّ وجنون
…………………
وهكذا تنساب القصائد , بنسج مفردات , منها ما ترتبط بالحس الإنساني , ومنها ما تهرب منه إلى المجاز , في لحظة شعرية متكاملة , هي لعبة جميلة بالكلمات , لا يجيدها إلا لاعب ماهر , يعرف تماما موضع خطاه , وهو يحمل بوصلة دقيقة ترسم له فنارات عالمه الجمالي ابذي لا يريد أن يفرّط ولو بكلمة واحدة منه , لأنه ينشئ مبناه التعبيري , على معادلات وعي , بوصفها أرضية له , لينطلق كإنسان حر في عالم متوهج بالغناء والجمال والدهشة :
أراد القمر أن يلعب
فخرج من بيت الليل
حافيا
ولم يستطع العودة
في النهار
……………….
أيّ قمر هذا , وأية حياة , وأيّ بعد في التأويل وأية رمزية باذخة وأية طفولة , تحرك الأشياء كما تريد , وفق رهافة الحس , وصياغة المعنى ورسم اللوح التي تحمل أبعادا فلسفية ونفسية وجمالية ومعرفية , كلها تجتمع في مفارقة طريفة , جسّدت موضوعاتٍ وليس موضوعا واحدا , في أغنية من أعذب أغاني السيدة فيروز ” حبيبي بدو القمر …و القمر بعيد …و السما عالية …ما بتطالا الأيد …حين فكّر الحب ” وهو ذاته قمر حسن عبد الحميد , القمر – الطفل المشاكس , الذي يريده الحبيب , بينما يراه الشاعر يريد أن يلعب , وكل هذه التعابير تمسك الدهشة من أذنها لتأخذها إلى شواطئ جمالها.
أحيانا , يذهب الشاعر إلى ممارسة لعبة جميلة ماكرة ذكية لذيذة , فيقول عن نص له ” … النص مستل من خزانة ذاكرتي أعرف اسم قائله ” ليضعنا – نحن القراء أما حيرة ممتعة , وهو يعبر عن وجع مؤثر فيقول :
وانا..
ومن كثرة..
ما عانيتُ من النار
يجرحني …ضوء المصباح
……………………..
ثم تمضي عربات قطار الإبداع فتمر بمحطات كلها حقول , رغم أنين جرحاها , والم إنسانها وهو يعيش غربة الروح , لكنها تظل رقيقة دافئة لا تخز بتعابيرها , وهي تقتطع الأشواك لتقدم لنا الزهور بحساسية عالية:
أتساءل بإلحاح
وبكثير فضول
ودموع وخوف
أين تذهب النجوم
حين..
يحتدم القصف
…………..
أو:
أبصر الرجل الآلي
كئيبا
بلا أصدقاء
فلم يطفئ – يوما –
شمعة عيد الميلاد
أو يتذكر مرة
أن يغني
……………………..
أو:
حين تجرأتُ على…
منع دمعة
على خدها الحاني
تحدرت..
وأطلتُ من قامة سبابتي
كي توقف هدير
شلالها المتلألئ
مثل ضوء تمادى
يقاوم..
شعاع شمس
حتى تندى إصبعي
الممهور بدمها
ألقا..
وشاء أن يتحول
فجأة
إلى قطعة ماس
……………….
أو:
قلتُ للقمر
أشك بك
إن لم تكن ذات يوم
مجرد غيمة هاربة
من رغو بحر
……………
حتى نصل إلى ” فوارز حكمة ” وهي قصائد ذات لمحات فكرية , تمسك بالجمال وتعيد صياغة المعنى ليغدو تأويلا مبهرا جميلا…
أردتُ في كتابتي هنا أن أحتفي بهذه الإضمامة المعبرة من القصائد التي تقول الشعر بإحساس عالٍ , بعيدا عن شوائب اللغة وتقعراتها , وهروب المعنى إلى غموض مفتعل , بل هي تسعى في حقول الجمال , لتجعل من الجماد كائنات حية , ولتصنع رموزها من خلال وضع علاقات جديدة لمفردات اللغة المنتخبة بدقة , وهي تعزف لنا على الإشارات الموسيقية الخلابة لسلطان الخطيب , الذي يبدو هنا جزءا من مشهد , لا يتركه الصانع الماهر حسن عبد الحميد على شيء من نقص ما , فيجعل من غلاف المجموعة رسوما بريئة معبرة , مع صورة لطفلة متوارية , وهي كلها معطيات جمالية تتكامل في لحظة متوهجة مضيئة أطلقها لنا الشاعر بعذوبة آسرة.
+ There are no comments
Add yours