نمتار / فائق العبودي

في كل مدينة معلم يلتقط الناس أمامه الصور، وربما يخفي أو يحمل ذاكرة ثقيلة وموجعة للٱخرين ، يقف جسر بيسيير في مدينة لوزان السويسرية شامخُا منذ أكثر من قرن، يربط بين وسط المدينة والمدينة القديمة، ويمنح العابرين بسلام . إطلالة جميلة على الوادي وكاتدرائية لوزان الشامخة في قلب المدينة العتيقة المغطاة أبنيتها بأحجار القرميد المائل للحمرة، وفي الوقت نفسه يحمل هذا الجسر قصة مختلفة، قصة جعلت اسمه يرتبط بالحزن، ثم بصناع الأمل، وهم أشخاص اختاروا أن يقفوا في ليالي الشتاء الباردة ليمنحوا يائسين لا يعرفونهم سببا إضافيًا للعودة إلى الحياة.
افتتح جسر بيسيير عام 1910، وهو من المعالم المعروفة في مدينة لوزان، ويرتفع الجسر فوق الوادي بما يعادل تقريبًا ارتفاع مبنى مكون من سبعة طوابق، ما يجعل الوقوف عليه كافيا بمنح أمثالي من الذين لديهم فوبيا المرتفعات إحساسًا بالرهبة من عمق المسافة تحت الجسر.
وللجسر أيضًا خصوصيته الهندسية؛ فخط المترو M2 يمر داخل هيكله، وهو مشهد غير مألوف يجعل باطن الجسر جزءا من شبكة المواصلات اليومية للمدينة.
لكن خلف هذه التفاصيل الهندسية هناك حكاية أخرى جعلت الجسر معروفًا بطريقة مختلفة تمامًا..
على مدى عقود، شهد جسر بيسيير عددًا من حالات الانتحار، فأصبح يعرف عند البعض باسم “جسر الانتحار”. ومع تكرار الحوادث، لم تعد المسألة مجرد حالة عابرة؛ بل أصبحت قضية إنسانية دفعت السلطات إلى التفكير في وسائل حماية أفضل فعملت على رفع الحاجز بطريقة لا تؤثر على منظر المدينة، كما ظهرت مبادرات تطوعية هدفها الوقاية والتدخل في اللحظات الحرجة.
وتعود إحدى أشهر القصص المرتبطة بهذه المبادرات إلى عام 1980، عندما شاهد أحد سكان لوزان رجلًا يقفز من الجسر، ولم يتمكن من إنقاذه. تركت الحادثة أثرًا عميقًا في نفسه، فقرر في العام التالي، خلال فترة أعياد الميلاد، أن يعود إلى الجسر مع مجموعة من المتطوعين لم يعودوا لإقامة احتفال، بل ليكونوا هناك، أشعلوا نارًا للتدفئة في أيام البرد الشديدة، وقدموا الشاي، و النبيذ الساخن، وبقوا يراقبون المكان ويتحدثون مع المارة.
أرى أن الفكرة بسيطة وجميلة جدًا، أن يكون هناك إنسان آخر موجود في المكان، مستعد للاستماع إذا احتاج شخص ما إلى الحديث، لمناقشة فكرة الانتحار، طبعًا إذا كان هذا الشخص مستعدًا أصلًا لمناقشة الفكرة، ولم يأت بقرار مسبق.
ومع مرور السنوات، تحولت المبادرة إلى تقليد مستمر خلال فترة أعياد الميلاد ورأس السنة، التي تكثر فيها تلك الحوادث، ولا يوجد سبب واضح لإختيار هذا الوقت بالذات.
قد يبدو الأمر غريبًا، أناس يتركون العائلة، و دفء بيوتهم في ليلة شتوية، ويقفون بجانب جسر بارد، حتى الصباح لأسبوعين أو أكثر، يشعلون النار ويراقبون وجوه المارة، أنه تضامن أنساني جميل.
أما أنا، فقد كانت لي حكاية أخرى مع الجسر..
في إحدى ليالي أعياد الميلاد، مررت على الجسر ليلًا بصحبة الصديق نبيل نديم يرحمه الله، نبيل لم ينتحر، بل قتله الأمريكان في العراق في طريق العودة إلى زوجته السويسرية “كورين”.
يومًا كنا نمر على الجسر، كانت النار مشتعلة، والمتطوعون موجودين، يراقبون المارة ويتابعون المكان. كان المشهد هادئا وغريبًا في الوقت نفسه، مجموعة من الناس جاءت في ليلة عيد لتقوم بعمل إنساني لليائسين.. وتنتصر للحياة.
ولا أعرف حتى الآن كيف جاءتني الفكرة المجنونة، لكنني قررت أن أمثل أمامهم وكأنني أحاول تسلق الجسر.
كنت أتوقع أن يهرعوا نحوي، أو يطلبوا مني التوقف، أو يسألوني إن كنت بخير.
لكن المفاجأة أن أحدهم قال لي:
“أعد المحاولة… ربما ستنجح، وإن لم تنجح… أستطيع مساعدتك، وضحكنا معًا”.
و بدل أن يمارسوا العمل الذي جاؤوا من أجله، وجدت نفسي أمام متطوعين يعطونني نصائح لتحسين “المحاولة”..!
لا أعرف حتى اليوم لماذا عملت ذلك، وهل كانت مزحة مجنونة ، أم أن حس الفكاهة العراقي في تلك الليلة كان أقوى من المتوقع وهذا الموقف بقي عالقًا في ذاكرتي.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح جسر بيسيير محطة ثابتة في جولاتي مع الأصدقاء الذين يزورون مدينة لوزان، وخصوصًا القادمين من العراق للمرة الأولى أصطحبهم إلى الجسر، وأريهم المدينة من زاوية مختلفة، ثم أحكي لهم قصته.
أشرح لهم أن هذا المكان الذي تقفون عليه الآن ليس مجرد جسر جميل، وأن وراء المنظر الهادئ تاريخًا مؤلمًا، وأن هناك أشخاصًا يقضون ليالي الشتاء هنا لا لبيع التذاكر أو تقديم خدمات للسياح، وإنما فقط لأنهم يريدون أن يكونوا موجودين إذا احتاجهم شخص ما.وبالطبع لا يمكنني أن أروي القصة من دون إضافة شيء من السخرية السوداء.
فأقول لصديقي:
“إذا عندك نية… أصور لك اللحظات الأخيرة قبل وبعد القفز”
ثم أترك له لحظتين كي يستوعب العبارة، قبل أن أضحك، ثم أكمل سأجعلك مشهورًا، غدًا ستكون على صفحات صحف المدينة.
قد تكون دعابة ثقيلة قليلًا، لكنها تفتح عادة باباً لحديث أكثر جدية عن الحياة، وعن الضغوط التي يمر بها الإنسان، وعن أهمية أن يجد شخصا يستمع إليه عندما تضيق به الدنيا.
المفارقة في جسر بيسيير أن المكان نفسه لا يبدو حزينًا، او كئيبًاعلى العكس تمامًا
إنه جزء جميل من لوزان، ومنه يمكن مشاهدة المدينة القديمة والكاتدرائية، وتعبره يوميًا أعداد كبيرة من الناس، بينما يمر المترو داخل بنيته.
الأماكن كما الاشخاص لا يمكن أن تقرأ من شكلها فقط.
قد ترى جسرًا، بينما شخص آخر يرى فيه ذكرى
وقد نرى منظرًا جميلًا بالجسر وما حوله، بينما يتذكر شخص آخر ليلة سوداء رمى عزيز نفسه من ذلك الجسر.
ولهذا أصبح الجسر، مع مرور الوقت، أكثر من مجرد مكان ارتبط بحوادث مأساوية. أصبح أيضًا مكانًا ارتبط بالوقاية، وبالمتطوعين، وبرائحة الخشب المخترق بالنار التي تشعل في ليالي الشتاء، وبالأشخاص الذين يختارون أن يقفوا هناك من أجل أشخاص لا يعرفون أسماءهم، وربما أكثر ما يترك أثرًا في النفس أن تمر على الجسر يومًا، فتجد باقة ورد متكئة على سياجه، عندها تفهم أن هذا المكان شهد حكاية انتهت هنا، وأن هناك من ترك خلفه غيابًا لا يمكن تعويضه.
فالوردة التي تراها على السياج ليست مجرد وردة، أحيانًا تكون آخر تحية من الذين بقوا يعيشون الذكريات، لللذبن اختاروا طريق اللا عودة.
وأنت يا قارئ حكايتي هذه، تأكد إذا زرتني يومًا في لوزان، فلا تستغرب إن كان جسر بيسيير ضمن الأماكن التي سأصطحبك إليها، لأعيد عليك كل ما قصصته هنا
ثم، وكعادتي، قد أقول لك مازحًا:
“إذا فكرت بالقفز… أخبرني قبلها بثوان، حتى أضبط الكاميرا، حفاظا على أن لا تطلع الصورة مهزوزة”.
ثم سنضحك، ونلتقط صورة تذكارية، ونغادر الجسر بسلام..بحكاية جديدة تُروى، لا بحكاية تنتهي هناك..
ختامًا ليس كل جسر يقاس بطوله أو ارتفاعه؛ بعض الجسور تقاس بعدد الأرواح التي عبرتها، وبعدد الأرواح التي عادت منها بسلام..
دمتم بخير وسلام..
سويسرا/ لوزان

+ There are no comments
Add yours