نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي
لم يفقد الردع التقليدي قيمته، ولا تزال القوة العسكرية التقليدية والنووية عنصرًا رئيسًا في حسابات الدول. لكن البيئة التي يعمل فيها تغيرت بصورة أسرع من الأدوات والمفاهيم التي صُممت للتعامل معها. فقد نشأ في بيئة كان التهديد فيها أكثر وضوحًا: دولة في مواجهة دولة، وقوات معروفة، وحدود محددة، وهجوم يمكن تحديد مصدره. أما الصراع المعاصر فأصبح أكثر تعقيدًا وغموضًا وتداخلًا.
ويتمثل أحد أهم التحولات في تغير طبيعة الفاعلين. فإلى جانب الدول، أصبحت الجماعات المسلحة والميليشيات والتنظيمات العابرة للحدود والشبكات العاملة بالوكالة قادرة على استخدام القوة. كما تستطيع دول توظيف هذه الأطراف لتحقيق أهدافها مع الاحتفاظ بمسافة تسمح بإنكار المسؤولية، مما يعقد العلاقة بين الفعل والرد. وتغيرت كذلك أدوات القوة؛ فقد أصبحت الصواريخ الدقيقة والمسيّرات والذخائر المتسكعة والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية والقدرات الفضائية متاحة لقوى لم تكن تستطيع سابقًا منافسة الدول الكبرى. وأصبح ممكنًا إحداث تأثير استراتيجي كبير بوسائل منخفضة الكلفة نسبيًا.
وتبرز هنا مشكلة الإسناد (Attribution). فبينما يمكن عادة تحديد مصدر الهجوم الصاروخي، قد يصعب تحديد المسؤول عن اختراق سيبراني أو حملة تضليل أو عملية تنفذها جهة وسيطة. والردع يحتاج إلى معرفة من نردعه؛ فإذا غابت هذه المعرفة أو تأخرت ضعفت العلاقة بين التهديد والعقاب (Libicki, 2009). . كما أدت الوسائل الجديدة إلى انخفاض عتبة استخدام القوة. فأصبح بالإمكان تنفيذ هجمات سيبرانية أو عمليات بالمسيّرات والحرب الإلكترونية والوكلاء مع إبقائها دون مستوى الحرب الشاملة. ومن هنا اتسعت «المنطقة الرمادية» بين الحرب والسلام، حيث يمكن ممارسة الضغط وإلحاق الضرر واختبار إرادة الخصم دون تجاوز واضح للعتبة التي تستوجب ردًا عسكريًا واسعًا.
وتجسد المسيّرات هذه المعضلة بوضوح؛ فهي تجمع بين انخفاض الكلفة والدقة وتقليل المخاطر البشرية، ومع تطور الأسراب والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبح الردع يتطلب، إلى جانب التهديد بالعقاب، القدرة على كشف الهجوم وإرباك شبكته وإسقاط وسائطه وحماية أهدافه.
وفي الوقت نفسه أدى الاعتماد على الفضاء والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي إلى ظهور مواطن ضعف جديدة. فالقوات الحديثة تعتمد على الأقمار الصناعية والاتصالات والشبكات الرقمية وأجهزة الاستشعار، مما يتيح للخصم محاولة شل القوة باستهداف هذه المنظومات بدلًا من مهاجمة القوات مباشرة.
وهنا تتغير معادلة الردع. ففي النموذج التقليدي كانت الرسالة واضحة: إذا هاجمتني فسأرد عليك. أما اليوم فتسبق الرد أسئلة أكثر تعقيدًا: ما الذي يعد هجومًا؟ ومن نفذه؟ ومتى يستوجب الرد؟ وهل يكون الرد عسكريًا أم سيبرانيًا أم اقتصاديًا أو تكنولوجيًا؟ وهل يقع في المجال نفسه؟
وتزيد الترابطات الاقتصادية والتكنولوجية هذا التعقيد؛ فالتنافس يشمل اليوم أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والطاقة والاتصالات، وأصبح حرمان الخصم من تكنولوجيا حيوية أو موارد أساسية وسيلة للتأثير في قدرته الاستراتيجية.
ولا يعني ذلك أن الردع التقليدي أصبح عديم الفائدة؛ فالقوة التقليدية والنووية ما تزال حاسمة، لكنها لم تعد كافية منفردة لمواجهة طيف التهديدات المعاصرة، لأن الخصم سيبحث عن المجال الذي تكون فيه دفاعات الدولة أضعف ويتجنب مجال تفوقها.
ومن هنا يظهر جوهر المشكلة: الردع التقليدي يفترض بدرجة كبيرة علاقة بين تهديد محدد واستجابة محددة، بينما أصبحت القوة المعاصرة تعمل ضمن شبكة من المجالات المتداخلة. ولذلك لم تعد المسألة إضافة سلاح جديد، بل إعادة التفكير في كيفية استخدام مجموع عناصر القوة لمنع الخصم من تحقيق أهدافه. وهذا يقود إلى السؤال المحوري:
إذا أصبحت الحرب متعددة المجالات، أفلا ينبغي أن يصبح الردع نفسه متعدد المجالات؟…يتبع

+ There are no comments
Add yours