الردع في عصر الذكاء الاصطناعي ..من التقليدي الى متعدد المجالات (1)

 نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي

منذ عام 2022 دخل العالم مرحلة جديدة من الاضطراب الاستراتيجي، اتسمت بتزايد اللجوء إلى القوة واتساع الصراعات وتنوع أدواتها. فقد أعادت الحرب الروسية–الأوكرانية مشاهد الحرب الكبرى إلى أوروبا، ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية، وصولًا إلى المواجهة المباشرة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بما شهدته من استخدام للصواريخ والمسيّرات والطائرات والقدرات الإلكترونية والسيبرانية.

وعلى اختلاف هذه الصراعات، فإنها تطرح سؤالًا مشتركًا: ماذا حدث للردع؟

كان الردع، ولا سيما خلال الحرب الباردة، أحد مرتكزات الاستقرار الاستراتيجي. فقد أسهمت القدرات النووية وإمكان إيقاع خسائر غير مقبولة والقدرة على توجيه الضربة الثانية في منع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. والردع لم يختفِ اليوم؛ فما تزال القدرة النووية، مثلًا، تسهم في منع تحول الحرب الروسية–الأوكرانية إلى مواجهة شاملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. لكن بعض صور الردع التقليدية لم تعد كافية وحدها، ليس لأن منطق الردع قد انهار، بل لأن الحرب تغيرت، والقوة تغيرت، والخصم تغير، وميدان الصراع تغير. فالهجوم لم يعد بالضرورة عبور جيش للحدود، وقد يبدأ بهجوم سيبراني على بنية تحتية، أو استهداف للاتصالات والأقمار الصناعية، أو تشويش إلكتروني، أو حملة معلوماتية، أو استخدام للمسيّرات والصواريخ الدقيقة والجماعات المسلحة بالوكالة. وأصبحت وسائل القوة متعددة الأبعاد، والصراع يجري في البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي والبيئة المعلوماتية، فيما تعمل الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية إلى جانب الأدوات العسكرية. وقد شغلني هذا التحول منذ وقت مبكر نسبيًا؛ ففي عام 2019 أصدرت كراسة بعنوان «العمليات متعددة الأوساط: دراسة في تطور الفكر العسكري الأمريكي في القرن الحادي والعشرين»، تناولت فيها مفهوم العمليات متعددة المجالات (Multi-Domain Operations – MDO)، القائم على تكامل العمل في المجالات المختلفة واستخدام إمكانات مجال لتحقيق تأثير في مجال آخر. ولم يكن الردع يومها موضوع الدراسة، وإن كانت الفكرة كامنة فيها؛ فقد كان من أغراض تجميع إمكانات الأوساط المختلفة تحقيق الهدف العسكري وصد الخصم وردعه، وكان مفهوم تجميع وتوحيد القدرات (Convergence) أحد أسسها. ويمكن القول، بشيء من المجاز، إن العلاقة بين تعدد المجالات والردع كانت آنذاك في طور الجنين. ثم جاءت الثورة المتسارعة في الذكاء الاصطناعي لتضيف بُعدًا جديدًا. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد سلاح أو مجال مستقل، بل قوة تمكينية عابرة للمجالات، تربط بينها وتزيد سرعتها وفاعليتها، من جمع المعلومات وتحليلها والإنذار المبكر، إلى الحرب السيبرانية والإلكترونية وتشغيل الأنظمة الذاتية والمسيّرات والقيادة والسيطرة ودعم اتخاذ القرار. وبذلك أصبح من الممكن أن يقع الهجوم في مجال ويأتي الرد في مجال آخر؛ فقد يكون الهجوم سيبرانيًا والرد اقتصاديًا أو تكنولوجيًا أو عسكريًا. وهنا تكتسب فكرة الردع متعدد المجالات (Multi-Domain Deterrence) معناها الحقيقي: ليس بإضافة أنواع جديدة إلى قائمة الردع، وإنما بدمج عناصر القوة في منظومة تؤثر في حسابات الخصم عبر مجالات متعددة، بحيث يدرك أن العمل العدائي في مجال ما قد يستدعي استجابة في المجال نفسه أو في مجال آخر.

وفي خضم هذه الأفكار جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك ليضيف حافزًا مباشرًا للتفكير في الموضوع. فالردع المشترك في البيئة المعاصرة لا يمكن أن يقتصر على المفهوم التقليدي للدفاع، في وقت تشمل فيه التهديدات الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية والفضاء والتهديدات البحرية. وبذلك يصبح بناء الردع في بيئة متعددة المجالات قضية عملية، لا مجرد نقاش نظري.

وقد شغلني السؤال بصورة خاصة أثناء عملي على كتابي الجديد (الاستراتيجية والأمن الدولي في القرن الحادي والعشرين)، ولا سيما عند إعداد الفصل المتعلق بالردع في الفكر الاستراتيجي المعاصر. ومع التعمق في الموضوع بدا لي أنه يستحق الخروج من حدود الفصل الأكاديمي إلى نقاش أوسع، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال. ولا أهدف هنا إلى إعادة سرد نظريات الردع أو تاريخ تطورها، ولا إلى دراسة حرب أو تحالف بعينه، وإنما إلى فهم ما طرأ على الردع عندما أصبحت القوة نفسها متعددة المجالات، وكيف تغيرت العلاقة بين الردع بالعقاب والردع بالمنع، وبين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، وبين الإنسان والآلة. ويحتل الذكاء الاصطناعي موقعًا محوريًا في هذا التساؤل: هل سيزيد قدرة الدول على الردع بفضل سرعة اكتشاف التهديد وتحليله والاستجابة له، أم قد يجعل الردع أكثر هشاشة بسبب اختصار زمن القرار والاعتماد المتزايد على الخوارزميات والأنظمة الذاتية واحتمالات الخطأ وسوء الإدراك؟ إن القضية، إذن، لا تتعلق بموت الردع، بل ربما بإعادة ولادته في صورة جديدة. فإذا كان ردع القرن العشرين قد قام أساسًا على السؤال: ماذا سأفعل بك إذا هاجمتني؟ فإن ردع القرن الحادي والعشرين يضيف سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف أجعل عناصر قوتي في مختلف المجالات تعمل معًا بحيث يقتنع الخصم، قبل أن يبدأ، بأن الهجوم لن يحقق غايته وأن كلفته ستكون أكبر من مكاسبه؟ ذلك هو جوهر الردع متعدد المجالات، وهو الموضوع الذي تحاول الصفحات التالية مناقشته.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours