من الخرافة الثقافية إلى الخرافة الرقمية


دراسة مقارنة بين “الخرافات ” لرولان بارت

و “خرافة الذكاء الاصطناعي” لإيهاب عنان

 


فرح حسن – نمتار

باحثة دكتوراه في الأدب الانجليزي

 

مع استبدال القلم بالخوارزميات، بدأت تثار تساؤلات حول العقل البشري والإبداع وسلطة التأليف. تقف كل حقبة زمنية عند مفترق طرق يتعين فيه على البشرية أن تقرر ما إذا كانت ستتبنى اختراعاً جديداً أم ستفكك بنيته وتدرسه نقدياً. ويقدم الكاتب العراقي والمختص في الذكاء الاصطناعي “إيهاب عنان” مؤلفه العلمي الثاني “خرافة الذكاء الاصطناعي: نقد الخرافة الرقمية الكبرى” استكشافاً غنياً لكيفية تشكيل الأساطير والسرديات للفهم البشري للذكاء الاصطناعي ودوره في الثقافة المعاصرة ، حيث جاء هذا الإصدار بعد مؤلَّف “لم تعد سراً” الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنلوجيا الحديثة واستخداماتها في أهم مجالات الحياة.

بصفتي باحثة، وجدت في كتاب إيهاب عنان فرصة ممتازة لاستكشاف واحدة من أهم الظواهر في عالمنا؛ فقد وقعت عيناي على الكتاب بالصدفة في مواقع التواصل الاجتماعي وجذب انتباهي على الفور، كما أن عنوان الكتاب بحد ذاته مثير للاهتمام ويحفز فضول القراء. ومن أبرز نقاط القوة في الكتاب أسلوبه الموجز والشامل في آن واحد، وهو ما يلائم عصرنا المتسارع، حيث يميل القرّاء المعاصرون إلى فقدان الاهتمام أو الشعور بالملل جراء الإطناب. ومما يثير الإعجاب أيضاً قدرة المؤلف على الاستعانة بتجارب عالمية متنوعة وربطها بواقعنا الحالي.

علاوة على ذلك، تثير الروابط متعددة التخصصات بين علم الأساطير (الميثولوجيا) والفلسفة الكثير من التفكير، في حين توفر المقارنات التاريخية التي يعقدها المؤلف بين النار والطاقة النووية والذكاء الاصطناعي إطاراً تحليلياً غنياً يفتح آفاقاً جديدة للدراسات المستقبلية.

عندما شرع المؤلف في استكشاف مفهوم الأسطورة وربطه بالذكاء الاصطناعي، ومن خلال قراءاتي البحثية – بصفتي باحثة متخصصة في الأدب الإنجليزي- راودني ربط هذه الأفكار بتحليل الفيلسوف والناقد الفرنسي “رولان بارت” للخرافة باعتبارها بناءً ثقافياً يشكل التصور العام ويُضفي طابعاً طبيعياً على الأيديولوجيا. لطالما ارتبطت الأساطير بالحضارة الإنسانية وعكست التغيرات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية؛ فالخرافة التقليدية وُجدت لتفسير الظواهر الطبيعية والوجود الإنساني، بينما تظهر الخرافة الحديثة لتتناول الخطاب الإعلامي والسياسي والتكنولوجي. وقد شكل هذا التحول جوهر كتاب رولان بارت “الخرافات ” (1957)، الذي عرّف الخرافة بأنها نظام ثقافي يُطَبِّع الأيديولوجيا ويجعلها تبدو أمراً طبيعياً.

واليوم، وبعد مرور أكثر من ستة عقود، يوسع “إيهاب عنان” نطاق نقاش “بارت” ليتناول خرافة  الذكاء الاصطناعي في العصر الرقمي.

على الرغم من اختلاف الخلفيات التاريخية والثقافية للكاتبين، إلا أنهما يوضحان كيف تشكّل الأساطيراو الخرافات الوعي العام وتحجب الواقع. وتكمن نقطة الالتقاء الرئيسية بينهما في كيفية بناء الأساطير كخطاب بدلاً من كونها حقيقة موضوعية؛ إذ يرى بارت أن الوظيفة الأساسية للخرافة تكمن في كونها “نظاماً سيميولوجياً من الدرجة الثانية”.

ومن ناحية أخرى، يرى “عنان” أن قدرات الذكاء الاصطناعي قد أُحيطت بهالة من المبالغة، مما يمنح الناس تصوراً زائفاً يوحي بأن هذا الاختراع الجديد يتمتع بالوعي، ويُضفي عليه طابعاً غامضاً ومبهماً.

واضاف الكاتب عنان مصطلحات مثل “الآلات المفكِّرة” و”التعلم العميق” و”الشبكات العصبية” التي تجاوزت دلالاتها التقنية لتصبح تعبيرات مجازية تحفز الجمهور على إسباغ سمات بشرية على الأنظمة الحاسوبية.

وبناءً على ذلك، ركز كلا من الكاتبين على اهمية اللغةَ الآليةَ ودورها في خلق الخرافات. فبالنسبة لبارت، لا تتسم اللغة بالحياد أبداً؛ لأنها تنطوي على دلالات أيديولوجية تصبح غير مرئية بفعل التكرار. وبالمثل، يوضح الكاتب ايهاب عنان أن المصطلحات العلمية غالباً ما تفقد دقتها عند انتقالها إلى الخطاب العام؛ إذ يرى أن مفاهيم مثل “اختبار تورينج” و”الشبكات العصبية” و”تعلم الآلة” تتحول مراراً إلى سرديات توحي بأن الآلات تفكر بالفعل أو تمتلك وعياً، وذلك على الرغم من القيود العلمية الأصلية المرتبطة بها. ويُبرز هذا التحول كيف يمكن للغة أن تحوّل المفاهيم التقنية إلى أساطير ثقافية. وثمة وجه مهم آخر يتعلق بدور وسائل الإعلام؛ إذ يدرس بارت الإعلانات والمجلات والتصوير الفوتوغرافي والمصارعة والأزياء والثقافة الشعبية، ليُبيّن كيف تكتسب الأيديولوجيا طابعاً طبيعياً ومألوفاً من خلال تمثيلات الحياة اليومية. ويتوصل الكاتب ايهاب إلى استنتاج مماثل فيما يخص وسائل الإعلام الرقمية؛ إذ يرى أن الصحفيين وشركات التكنولوجيا، وحتى بعض العلماء، يساهمون في صناعة الأساطير من خلال عرض إنجازات الذكاء الاصطناعي عبر عناوين مثيرة ومزاعم مبالغ فيها. فغالباً ما توحي التقارير الإعلامية بأن الآلات تتفوق على البشر أو تمتلك ذكاءً مستقلاً، مما يعزز السرديات الأسطورية بدلاً من نقل الحقائق العلمية بدقة.

ورغم أوجه التشابه هذه، يختلف الكاتبان في تركيزهما التحليلي نظراً للحقبة الزمنية لإصدار كل كتاب؛ فاهتمام بارت ينصبّ في المقام الأول على كشف الوظيفة الأيديولوجية للخرافات داخل المجتمع الرأسمالي والبرجوازي، حيث يهدف إلى إظهار كيف تحافظ الخرافات على أنظمة السلطة القائمة عبر تقديم قيم مرتبطة بسياقات تاريخية محددة على أنها حقائق كونية شاملة. وفي المقابل، يركز إيهاب على الخطاب التكنولوجي؛ فبدلاً من الاكتفاء بنقد الثقافة الاستهلاكية، يبحث في كيفية تضافر المصطلحات العلمية والتفاؤل التكنولوجي والسرديات الإعلامية لإنتاج ما يسميه “الخرافة الرقمية الكبرى”. ولا ينصبّ اهتمامه على الأيديولوجيا الطبقية بقدر ما ينصبّ على التبعات الثقافية لإضفاء سمات بشرية على الذكاء الاصطناعي.

ويكمن فارق آخر في استخدام السرديات التاريخية والأسطورية؛ فبارت يحلل عادةً المظاهر الثقافية المعاصرة دون العودة بشكل موسع إلى الأساطير الكلاسيكية، في حين يربط عنان  -عن عمد- بين الذكاء الاصطناعي وأساطير قديمة مثل أسطورة بروميثيوس، وغوليم (Golem)، والجنّي. وتُظهر هذه الأساطير أن البشرية طالما تخيلت كائنات اصطناعية قادرة على تعزيز القدرات البشرية أو تجاوزها. ومن خلال تتبع هذه السرديات عبر الحضارات المختلفة، يجادل عنان بأن الذكاء الاصطناعي ليس ظاهرة جديدة كلياً، بل هو أحدث تجلٍ لنزعة البشرية المستمرة نحو نسج الأساطير حول التقنيات القوية.

يختلف الكتابان أيضاً من حيث المنهجية؛ إذ يوظف بارت علم العلامات (السيميولوجيا)، مستعيناً باللسانيات البنيوية لتفسير كيفية توليد العلامات لمعانٍ أيديولوجية، حيث يظل تحليله نصياً وثقافياً في المقام الأول. وفي المقابل، يتبنى الكاتب ايهاب نهجاً متعدد التخصصات يجمع بين الفلسفة، ودراسات الإعلام، وتاريخ العلوم، والميثولوجيا، والذكاء الاصطناعي؛ فبدلاً من التركيز حصراً على العلامات، يدرس المفاهيم العلمية، والتطورات التاريخية، والخطاب التكنولوجي، والحجج الفلسفية لتفسير الأسباب التي أسبغت على الذكاء الاصطناعي طابعاً أسطورياً.

ومع ذلك، يشجع كلا الباحثين القرّاء في نهاية المطاف على تبني أسلوب نقدي في التفسير؛ إذ يصف بارت مهمة الناقد بأنها كشف الآليات الأيديولوجية الكامنة خلف التمثلات الثقافية اليومية، وبالمثل يحث عنان القراء على التمييز بين الواقع العلمي واللغة المجازية. ويخلص إلى أن إدراك البعد الأسطوري لخطاب الذكاء الاصطناعي يُعد أمراً جوهرياً إذا ما أراد المجتمع تقييم التطورات التكنولوجية بعقلانية بدلاً من الانقياد للعاطفة.

وفي الختام، يمثل كل من كتاب الخرافات  (Mythologies) لرولان بارت وكتاب “خرافة  الذكاء الاصطناعي” (The Artificial Intelligence Myth) لإيهاب عنان مرحلتين في تطور نقد الأسطورة؛ فبينما يوضح بارت كيف تضفي الأساطير طابعاً طبيعياً على الأيديولوجيا داخل ثقافة القرن العشرين، يكشف عنان كيف ولّدت التقنيات الرقمية أساطير جديدة تحيط بالذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين. وعند قراءة العملين معاً، يتضح أن الأساطير تواصل تطورها بدلاً من أن تتلاشى؛ فمع أن أشكالها قد تحولت من الإعلانات والسلع الاستهلاكية إلى الخوارزميات والآلات الذكية، إلا أن وظيفتها تظل متشابهة إلى حد كبير: تشكيل الإدراك، وإضفاء الشرعية على رؤى محددة للعالم، وحجب الحقائق المعقدة الكامنة تحت سطح الخطاب اليومي.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours