أنسنة الهويّات وشيطنتها حول مفهوم الهويّة في فكر د. عبد الحسين شعبان

د. يسري مصطفى

كاتب وباحث من مصر.

تمهيد

من منظور الثابت والمتحول، والخاص والعام، والانغلاق والانفتاح.. يأخذنا د.عبد الحسين شعبان في رحلة فكرية في حدائق الهويّات وصحاريها ليطلعنا على واجهاتها المشرقة وثناياها المعتمة، لنكتشف تلك العلاقة الجدلية والمعقدة بين الذات والهويّة.

وبلغة التاريخ والثقافة والسياسة والاجتماع يقربنا من المفهوم ويبقينا على مسافة من المسلّمات التي طالما طبعت خطابات الهويّة ورسخت في الأذهان فكرة ثباتها وديمومتها، فأصبحت الهويّات أسيرة سلطة الخطاب، وباتت الذوات حائرة بين واقع مفعم بالتحول والتنوع وخطابات ماهوية تضع الهويّات في قوالب ثقافية وأيديولوجية تتصادم وتتناحر وتعزل وتنعزل. وفي البداية يجدر بنا أن نبدأ بالسؤال المنهجي الذي يطرحه د.شعبان: «هل الهويّة جوهر قائم بذاته لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطار المشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّمات السرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية، من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بنظر الاعتبار عناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل في الهويّات الخاصة والعامة».

سؤال الهويّة

وفي الواقع، إن موقف د.شعبان من سؤال الهويّة ورؤيته لها ينطوي على بعد شخصي، فهو المواطن الذي خبر تجربة المنفى، وهو المثقف العابر للأيديولوجيات، فهو الليبرالي المدافع عن العدالة الاجتماعية، واليساري المدافع عن الديمقراطية، والقومي المدافع عن حقوق «الأقليّات» والتنوع الثقافي، وفي كل هذا نجده الحقوقي الذي يؤسس رؤاه ومواقفه على مبادئ وقيم حقوق الإنسان.

ولم تكن المسألة شخصية بالمعنى الحصري، فطالما كان مدافعاً عن حقوق الآخرين، وفي هذا يقول: «وإذا أردت أن أتحدث عن تجربتي الشخصية، فإنني كنت أواجه بشكل شبه يومي ومنذ ما يزيد على ربع قرن حالات تعدّ بالآلاف بخصوص المهاجرين والمنفيين واللاجئين العراقيين والعرب، ناهيكم عن ذلك، فقد عشت تجربة النفي لعقدين كاملين من الزمان وإنْ كنتُ على اتصال مستمر بالوطن وضمن الفسح والمساحات المتاحة، سواءً في الماضي أو الحاضر، فإنني أدرك إشكاليات الهويّة، وبخاصة في أوضاع المنفى واضطرابها فيما يتعلّق بالأسباب السياسية أو الأيديولوجية أو الإثنية أو الدينية أو المذهبية أو الاجتماعية أو غيرها، التي تكاد تطغى أحياناً، مسببة نوعاً من الالتباس».

أتصور أن هذه الخبرة الشخصية، مدعومة بذهنية المفكر النقدي، جعلته يقف على ضفاف الهويّات يرى انسيابات تياراتها وتلاطم أمواجها، وركودها الفكري وتلوثها السياسي. ولكن كيف يعرّف د.شعبان مفهوم الهويّة؟ وقبل الولوج إلى التعريف، نتوقف عند السؤال الذي يطرحه بشأن التفكير في الهويّة: «هل الهويّة جوهر قائم بذاته، لا يتغيّر أو يتحوّل؟ أم هي علاقة تجمعها مواصفات بحيث تكوّن معناها وشكلها؟ وبالتالي لا بدّ من تنميتها وتعزيزها وتفعيلها في إطار المشترك الإنساني، الأمر الذي يتخطّى بعض المفاهيم السائدة، ذات المسلّمات السرمدية السكونية لدرجة التقوقع، وينطلق إلى خارج الأنساق والاصطفافات الحتمية، من خلال قراءات مفتوحة تأخذ التطور بنظر الاعتبار عناصر تفعيل وتعزيز وتحوّل في الهويّات الخاصة والعامة».

وعليه يمكن أن نستكشف تعريف د.شعبان لمفهوم الهويّة في أكثر من موضع، ففي أحد أعماله يعرّفها بأنها وعي وإحساس بالذات من ناحية، وهي انتماء إلى جماعة من ناحية أخرى. وهذا الوعي والإحساس يعطي للهويّة بُعدها الذاتي (الفردي أو الجماعي) ومن ثم خصوصيتها، أما الانتماء فهو الرابطة التي تعطي للهوّية بعديها المجتمعي والدولتي القانوني. ومن ثم فإن مفهوم الهويّة، وفق هذه الرؤية، متعدد الأبعاد يتضمن الذاتي، والجماعي، الخاص والعام، المجتمعي والمؤسسي. وهذا ما يجعل منه مفهوماً مركباً، وعلى غير الأفكار الماهوية السائدة التي تنظر إلى الهويّة كجوهر ثابت لا يتغير، فإن مركب د.شعبان يمكن وصفه بالمركب الحيوي، فهو يحمل سمات، ولكنها سمات وليست قوالب، سمات تتشكل بفعل التواصل والتفاعل والتصادم والتثاقف.

وهذه الدينامية يمكن أن تحدث على مستوى مركب الهويّة في كليته، ولكنها أيضاً تحدث على مستوى كل مكوّن من مكوناته، أي المكون الذاتي والمجتمعي والمؤسسي. ومن هذا المنطلق فإن مقاربة د.شعبان للهوية تتأسس على فكرة التشكل والصيرورة، فهي ليست معطىً سابقاً وجاهزاً ومعداً مسبقاً للتبني والتمثل والامتثال، وإنما مسار يخضع لمؤثرات وتأثيرات ومحفزات وكوابح، إن سؤال «من أكون؟» لا ينفصل عن سؤال «كيف سأكون؟». وتوافقاً مع هذه الرؤية يخلص د.شعبان إلى تعريف للهوية بأنها: «لا تتكون بمجرد النشأة والانتماء.. بل تتكون من خلال عملية الخلق والعمل والصيرورة، وهي عملية إبداعية مستمرة ومفتوحة».

مشكلات الهويّة وأزماتها

ولكن أين تكمن مشكلات الهويّات وأزماتها؟ نتعرف من خلال كتابات د.شعبان على أن تشخيصاً لمعضلة الهويّات يأتي من اقترانها بالسياسة، وبكلمات أخرى عندما تخترقها السياسة فتقمعها أو تنشطها أو تدجنها. وفي كل الأحوال تصبح الهويّة مسرطِنة أو مسرطَنة بفعل دوائر التسييس داخلياً وخارجياً، وهنا تظهر مشكلات الهيمنة والإقصاء والتصادم، والقسر، والتفكك، يقول: «وإذا كانت تحدّيات الهويّة داخلياً أساساً مستمرّاً لاحتدام الجدال والسجال والصراع، فإن التحدّيات الخارجية لم تكن بعيدة عن ذلك، خصوصاً تداخلاتها وتأثيراتها المختلفة، حيث ظلّ الموقف من الحقوق والحريات، وبخاصة من مبدأ المساواة التامة والمواطنة الكاملة، وهما ركنان أساسيان من أركان الدولة العصرية، هو العامل الحاسم في الاحتدام والصراع والتناحر أحياناً، وذلك ما استثمره العنصر الخارجي في إثارة النعرات وتأليب البعض على البعض الآخر، والتدخّل بحجة حماية هذا الفريق أو ذاك، ولاسيّما للكيانات الفرعية، خصوصاً إذا شكّلت الكيانات الأساسية ذات الصفات العامة، عنصر تحدٍّ للقوى المتنفّذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية، التي بإمكانها التأثير عليها، وذلك بالعزف على هذا الوتر الحسّاس للهوّيات الفرعية، التي ستضعف الكيانات الكبرى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه (كلام حق يراد به باطل!) ولاسيّما إذا تعرّضت وحدة الدولة للتمزّق والمجتمع للتشظي!».

اللحظة الفارقة

ومع ذلك في تحليله لأزمة الهويّات يسلط د.شعبان الضوء على لحظة تاريخية، ويعتبرها لحظة فارقة، لحظة أزمة واهتمام. إنها لحظة انهيار الكتلة الشرقية وما صاحبها من انحسار أيديولوجي، فيربط د.شعبان بين ارتفاع مؤشر الاهتمام بالهويّات وارتفاع مؤشر تأزمها.

يقول: قد يكون الاهتمام بالهويّة في ربع القرن الأخير ناجماً من تراجع دور الأيديولوجيات، ولاسيّما بعد انخفاض منسوب الصراع الأيديولوجي منذ نهاية الحرب الباردة في أواخر الثمانينيات، أو تحوله من شكل إلى شكل آخر، خصوصاً بعد انهيار الكتلة الشرقية، وصعود الإسلام كعدو تقليدي للغرب بعد سيادة عهد الليبرالية الجديدة سياسيّاً واقتصاديّاً، والتي ارتبطت موجتها الجديدة بظاهرة العولمة، ولاسيّما في ظل الثورة العلمية – التقنية، خصوصاً في مجال تقنيات الاتصال والمعلومات، وسعت للهيمنة على السوق الدولية على مستوى الكرة الأرضية».

لنتوقف عند هذا التحليل، فما يرصده د.شعبان ليس مجرد الانشغال بالهويّة، فالانشغال بالعلاقة بين الذات والآخر من سمات العصر الحديث، وهو أمرٌ سابق على انهيار الكتلة الشرقية، ولكن المهم في تحليل د.شعبان وتركيزه على هذه اللحظة التاريخية هو «تدويل الهويّات» وظهورها كبدائل أيديولوجية وزرعها في نظام العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وبالمعنى المجازي، فإن تأزم الهويّات لا يعني انحسارها أو ضمورها، بل تضخمها، وهذا ما لاحظناه خلال الفترة المشار إليها، فسواء تعلق الأمر بالهويّات الكبرى أو هويّات «الأقليات الصغرى» فكلاهما تضخم بشكل أو بآخر، ومع التضخم يحدث التصادم والصراع.

وهنا يصيب د.شعبان عندما يشير إلى استحضار الإسلام، ليس كديانة بالمعنى الروحي، ولا ثقافة بالمعنى السوسيولوجي، ولكن كهويّة بالمعنى الأيديولوجي، ومن تضخيمه كهوية مناوئة للحضارة الغربية واستخدامه كمادة في أيديولوجيا صراع الحضارات. وهكذا تختفي المجتمعات وتتضخم الهويّات، ويغيب المشترك الإنساني.

التنوّع والانفتاح

وينطلق د.شعبان من أفكار التنوع والانفتاح، فالهويّات، بما أنها إحساس ووعي وانتماء، وبما أنها صيرورة تشكل، فإنها تحمل في طياتها طاقة، وهذه الطاقة يمكن أن تضيء كما يمكن أن تحرق، طاقة تخضع لقوانين الحركة والتفاعل والتغذية والتغذية الراجعة. وبالتالي فإن سوء استخدامها ينذر بالخطر، كما أن كبتها يفضي إلى انفجارات، وفي هذا يقول د.شعبان: «يتعذّر الحفاظ على الهويّة بأساليب القمع والطغيان والانعزال، فهذه الممارسات تؤدي إلى تصحير الهويّات، وبدلاً من الانفتاح والتواصل والتعدّد، تؤدي إلى الانغلاق والانكفاء والتقوقع..».

وإذا وضعنا هذا الكلام في السياق العام لتحليل د.شعبان فإن الانغلاق والانكفاء والتقوقع لا يعني الانحسار، ولكن اختزان طاقات سلبية، وهذا ما يحذر منه ويبقي العلاج في مناخ مساواتي وعادل ومنفتح بما يسمح بأنسنة الهويّات على أرضية «المشترك الإنساني» بدلاً من شيطنتها.

الأبعاد الثلاثة للهويّة

وكما أن الهويّة ثلاثية الأبعاد تحمل الذاتي والمجتمعي والمؤسسي، فإن رؤية د.شعبان لا تتجاهل البعد الكوني الذي برز كشرط تاريخي، فيقول: «وفي ظلّ العولمة اليوم لا يمكن لأيّة هويّة أن تعيش في قمقم أو شرنقة بمعزل عن الهويّات الأخرى تأثّراً وتأثيراً، والعبرة: ماذا تأخذ أو تترك؟ وكيف تُضيف أو تحذف؟ وبماذا تشترك أو تختلف؟ وأين الوصل والفصل بين الحفاظ على السمات العامة للخصوصية دون الانعزال، والتفاعل مع الكونية والشمولية دون الذوبان؟»، وهكذا يقر بأهمية هذا البعد الرابع، ولذلك فإن رؤيته لأنسنة الهويّات ترتكز على مطلب محلي وهو «المواطنة»، ومطلب كوني وهو «المشترك الإنساني»، وكلاهما يقتضي احترام القانون وحقوق الإنسان وتثمين التنوع الثقافي.

فمن ناحية أولى، يرسم د.شعبان ملامح المواطنة المبتغاة ويسميها «المواطنة العضويّة»، ويقصد بذلك المواطنة التي تقوم على أربع ركائز متعاضدة وهي: أولاً المساواة وعدم التمييز، ثانياً الحرّية، ثالثاً العدالة، رابعاً الحق في المشاركة. وإذا كان لنا أن نتحدث عن هويّة وطنية عامة وحاضنة للهويّات الفرعية، فإن هذه الركائز هي ما تعطيها قيمتها وديموتها وفعاليتها.

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن أزمة الهويّات وثيقة الصلة بأزمة المواطنة بمعناها الدولتي والمحلي. فأي مرض يصيب المواطنة المؤسساتية والقانونية يصيب الهويّات ويؤزمها. والأمر الخطير الآخر هو أن يتم انتزاع المواطنة من سياقها المؤسسي وصبغها بالصبغة الأيديولوجية، وهي ما يطلق عليها د.شعبان «المواطنة الافتراضية»، كتعبير عن مواطنة زائفة وغير واقعية «أساسها أيديولوجي يقوم على الهويّة الدينية أو الطائفية أو القومية أو الأممية بحسب مصدر التوجه».

ومن ناحية ثانية، يشدّد د.شعبان على فكرة «المشترك الإنساني»، وهو مفهوم يشبه الهويّة من حيث كونه صيرورة تتشكّل وليست معطىً جاهزاً ومسبقاً، ولا شكّ أن هناك متصلاً بين «المواطنة العضوية» و»المشترك الإنساني»، فكلاهما يخضع لقواعد المساواة وعدم التمييز والحرية والعدالة والمشاركة. وكلاهما يحتاج إلى إرادة تحترم التنوع والتعددية.

وبالحديث عن المشترك الإنساني، تجدر الإشارة إلى كتابات د.شعبان في نقد الإمبريالية، وبخاصة «الإمبريالية الثقافية»، و»نقد العنصرية» بوصفها آفة البشرية، التي كانت في السابق وأصابت الحاضر، وفي مواجهتها نشأت منظومة حقوق الإنسان.

وفي الختام، فإن مقاربة د.شعبان لسؤال الهويّة تحافظ على الغشاء الحيوي بين الذات والآخر، وبين الخاص والعام. فهو لا يطلب من الذات أن تفقد ذاتيتها وإنما أن تتحرر من أوهام الفرادة ومن أمراض النرجسية والاستعلاء.

إنها مقاربة تراهن على الانفتاح واحترام الأفكار والأيديولوجيات، بالمشاركة والحوار والتواصل والنقد البناء.

إنه المسار الفكري الذي جسّدته كتابات ومواقف د.شعبان، مسار يرتكز على مبادئ حقوق الإنسان واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها وسيلة وغاية، وهنا أختم بسؤال يطرحه د.شعبان: «هل توجد غاية شريفة من دون وسيلة شريفة؟».

نماذج من كتابات د.عبد الحسين شعبان حول الهويّة:

جدلية الهويّة والمواطنة! في مجتمع متعدّد الثقافات: بحث منشور في كتاب أصدرته منظمة اليونيسكو بالتعاون مع المركز الدولي لعلوم الإنسان تحت عنوان: «حضارات في طور الانتقال»، بيروت، 2016.

المهاجر وهويّته الثقافية: مقال منشور في جريدة الخليج في 9 تشرين الثاني / نوفمبر وفي جريدة الزمان (العراقية) في 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2022.

التباسات الهويّة: مقال منشور في جريدة الخليج (الإماراتية) في 28 حزيران / يونيو، والزمان (العراقية) في 3 تموز / يوليو 2023.

الهويّة مرّة ثانية وثالثة: مقال منشور في جريدة الخليج (الإماراتية) في 8 شباط / فبراير وفي جريدة الزمان (العراقية) في 11 شباط / فبراير 2023.

الهويّة بين النظرة التفريقية والمساواتية: مجلة أفق (مؤسسة الفكر العربي)، عدد حزيران 2024.

جدل الهويّات في العراق – الدولة والمواطنة، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2010.

الهويّة والمواطنة – البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2017، وط2، 2020.

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours