الردع في عصر الذكاء الاصطناعي ..نحو منظومة ردع متكاملة للقرن الحادي والعشرين ( 7 )

نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي

إذا كانت التحولات التي تناولناها قد أظهرت أن الردع التقليدي لم يعد كافيًا بمفرده لمواجهة البيئة الاستراتيجية المعاصرة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في البحث عن بديل يلغي ما سبقه، بل في بناء منظومة ردع تجمع القديم والجديد ضمن إطار استراتيجي واحد. فالردع النووي والتقليدي سيظلان عنصرين أساسيين في القوة، لكنهما أصبحا يعملان إلى جانب القدرات الصاروخية والمسيّرات والفضاء، والمجال السيبراني والحرب الإلكترونية والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات، بينما يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في الربط بينها وتسريع عملها.

وينبغي التمييز بين تعدد القدرات وتكاملها. فقد تمتلك دولة قوات جوية متطورة، ودفاعًا صاروخيًا، وقدرات سيبرانية، وأقمارًا صناعية وأجهزة استخبارات فعالة، ومع ذلك لا تمتلك ردعًا متعدد المجالات إذا كانت هذه العناصر تعمل في جزر منفصلة. فالقيمة الردعية الحقيقية تظهر عندما ترتبط أجهزة الاستشعار بالقيادة والسيطرة، وترتبط الاستخبارات بالقرار، وتعمل وسائل الدفاع والهجوم ضمن تصور استراتيجي يحدد كيفية الانتقال من مجال إلى آخر وفق طبيعة التهديد

وهذا قريب من مبدأ Convergence الذي تناولته في دراسة العمليات متعددة الأوساط التي اشرت اليها ، حيث تقوم الفاعلية على تجميع القدرات وتوحيد تأثيراتها في المكان والزمان المناسبين، لا على مجرد حيازتها.

وتتطلب هذه المنظومة، في المقام الأول، إنذارًا مبكرًا وإدراكًا شاملًا للموقف. فالردع يبدأ بالمعرفة: معرفة ما يفعله الخصم، وما يستطيع فعله، وما إذا كان النشاط الذي يقوم به يمثل تهديدًا حقيقيًا. وهنا تتكامل الأقمار الصناعية والرادارات والاستخبارات البشرية والإلكترونية والسيبرانية والمصادر المفتوحة، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل الكميات الهائلة من البيانات وربطها وتقديم صورة أكثر اكتمالًا للموقف. ويتطلب الأمر كذلك بنية قيادة وسيطرة قادرة على العمل عبر المجالات المختلفة. فالسرعة لا قيمة لها إذا وصلت المعلومات إلى مؤسسات منفصلة لا تستطيع تبادلها أو اتخاذ قرار مشترك بشأنها. ولذلك يحتاج الردع متعدد المجالات إلى شبكات اتصال آمنة ومرنة، وإجراءات واضحة لتحديد المسؤوليات، وقدرة على استمرار القيادة حتى بعد تعرض أجزاء من المنظومة للهجوم.

كما ينبغي أن تجمع المنظومة بين المنع والعقاب والصمود. فالدفاع الجوي والصاروخي والدفاع السيبراني والحماية الإلكترونية تقلل فرص نجاح الهجوم؛ والقدرات الهجومية تتيح فرض الكلفة على المهاجم؛ أما الصمود فيحرمه من تحقيق الأثر الاستراتيجي حتى إذا نجح في تنفيذ بعض ضرباته.

لكن بناء منظومة كهذه لا يتحقق بالتكنولوجيا وحدها. وهنا تعود إلى مركز الموضوع ملاحظة الأستاذ الدكتور كاظم هاشم نعمة: ( لا ردع بدون حيازة) ، وأن القدرات لا تكفي ما لم تقترن بعزيمة التنفيذ والصدقية في إدراك الرادع والمردوع فالقدرة التي لا يعتقد الخصم بإمكان استخدامها لا تؤدي وظيفتها الردعية، مهما بلغت درجة تطورها.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننتقل من ردع الدولة المنفردة إلى الردع الجماعي والتحالفات. فالتعهد بأن الاعتداء على طرف سيعامل باعتباره اعتداءً على الآخرين لا يكتسب قيمته الردعية بمجرد وروده في وثيقة سياسية، وإنما يحتاج إلى قيادة وتخطيط وقوات جاهزة وإنذار مبكر ولوجستيات وتدريب وعقيدة مشتركة..

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي كان أحد الدوافع المباشرة لكتابة هذا المقال. فالأهمية الاستراتيجية لأي ترتيب دفاعي جديد في المنطقة لا تقاس فقط بصياغة التزاماته، وإنما بقدرته على تحويلها إلى منظومة عملية مترابطة. والتصورات المرتبطة بالاتفاق، والتي تشير إلى الإنذار المبكر وتبادل المعلومات المتعلقة بالصواريخ والمسيّرات والتدريب الجوي والبحري والسيبراني، تتجه نحو ما تتطلبه البيئة متعددة المجالات؛ لكن المعيار الحاسم سيظل القدرة على الانتقال من التعاون والتنسيق إلى التكامل العملياتي والاستراتيجي.

وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يتحول التكامل إلى أتمتة غير مقيدة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع ربط المجالات وتسريع تحليل المعلومات وتقديم خيارات القرار، لكن المسؤولية السياسية عن الحرب والسلام يجب أن تبقى بشرية..

لذا فإن منظومة الردع التي يحتاجها القرن الحادي والعشرون ليست بالضرورة ترسانة أكبر، بل منظومة أذكى وأكثر تكاملًا ومرونة ومصداقية. إنها تجمع القوة العسكرية بالاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات، وتجمع المنع بالعقاب والصمود، وتستفيد من سرعة الآلة من دون أن تتخلى عن حكمة الإنسان.

الخلاصة:

هل نشهد ولادة جيل جديد من الردع؟

تكشف التحولات التي شهدها النظام الدولي أن الردع لم يفقد أهميته، لكنه يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. فالمنطق الذي استقر خلال الحرب الباردة، والقائم على إقناع الخصم بأن العدوان سيقابل بعقاب لا يستطيع تحمله أو أنه لن يحقق أهدافه، ما يزال صالحًا في جوهره. غير أن البيئة التي يعمل فيها تغيرت إلى حد جعل الأدوات العسكرية والنووية التقليدية غير كافية بمفردها لمواجهة طيف التهديدات المعاصرة فالصراع اليوم لم يعد محصورًا في البر والبحر والجو، بل امتد إلى الفضاء والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي والبيئة المعلوماتية، وأصبحت الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية جزءًا من معادلة القوة. ولذلك لم يعد السؤال يتعلق بحجم القوة التي تمتلكها الدولة فحسب، وإنما بقدرتها على دمج عناصر قوتها وتحويلها إلى منظومة تجعل الخصم عاجزًا عن تحقيق أهدافه بكلفة مقبولة.

ومن هنا جاءت فكرة الردع متعدد المجالات التي حاول هذا المقال بلورتها، لا بوصفها نظرية مكتملة تحل محل نظريات الردع المعروفة، وإنما إطارًا استراتيجيًا يستجيب للتحول في طبيعة القوة والصراع. فهو لا يلغي الردع التقليدي أو النووي، بل يدمجهما مع القدرات السيبرانية والفضائية والإلكترونية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية ضمن منظومة واحدة.

والخطوة التي يطرحها هذا المقال هي نقل منطق التكامل من كيفية استخدام القوة في الحرب إلى كيفية توظيفها لمنع الحرب أصلًا.  ويؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في هذا التحول، بما يوفره من قدرة على ربط أجهزة الاستشعار والاستخبارات والقيادة والسيطرة وتحليل البيانات وتسريع القرار. لكنه يحمل أيضًا مخاطر ضغط الزمن وسوء الإدراك والثقة المفرطة بالخوارزميات والتصعيد الآلي. ولذلك ينبغي أن يبقى الإنسان في مركز القرار الاستراتيجي؛ فالآلة تستطيع دعم القرار، لكنها لا ينبغي أن تنفرد بتقرير ما يجب فعله عندما تكون النتيجة حربًا أو سلامًا. ومهما تغيرت الأدوات، يبقى الردع قائمًا على القدرة والإرادة والمصداقية والإدراك.

ويقدم اتفاق مكة للدفاع المشترك مناسبة عملية لاختبار هذا المنطق؛ فقيمة أي ترتيب دفاعي لا تتحدد بنصوصه وحدها، بل بقدرته على تحويل الالتزام السياسي إلى قيادة وتخطيط وإنذار مبكر وقدرات جاهزة وعقيدة مشتركة تحقق مصداقية ردعية فعلية.

فهل نشهد ولادة جيل جديد من الردع؟ ربما نعم، ولكن ليس بموت الردع القديم، بل بانتقاله من عصر السلاح إلى عصر المنظومة؛ من الأدوات المنفردة إلى تكامل المجالات، ومن العقاب وحده إلى المنع والعقاب والصمود، ومن القرار البشري المنفرد إلى قرار تدعمه الآلة من دون أن تستولي عليه.

انتهى …

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours