مكتبة نمتار الذكيه / أياد القيسي
“بلطجة المثقفين” للكاتب العراقي ( جمال حسين علي ) هو كتاب نقدي صدر سنة 2024، ويواصل فيه المؤلف مشروعه الفكري الذي بدأه في كتاب «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟»، حيث ينتقل من تحليل الصراعات بين المثقفين إلى دراسة ما يسميه “البلطجة الثقافية”، أي استخدام النفوذ والهيمنة والإقصاء داخل الوسط الثقافي والفكرة الاساسية للكتاب ..

. المثقف الحقيقي يُقاس بأثره الفكري وأخلاقه، لا بشهرته أو نفوذه
غياب النقد الموضوعي يؤدي إلى تراجع جودة الإنتاج الثقافي.
.المؤسسات الثقافية قد تتحول إلى فضاءات للمنافسة غير الشريفة إذا غابت النزاهة
.تجديد الحياة الثقافية يتطلب الشفافية، واحترام الاختلاف، وإتاحة الفرص للمواهب الجديدة
.المؤسسات الثقافية قد تتحول إلى فضاءات للمنافسة غير الشريفة إذا غابت

الرسالة الأساسية للكتاب
ما أستطيع استخلاصه بثقة عن مشروع الكتاب هو ان الكتاب يقوم على فكرة نقدية حادة: المشكلة ليست فقط في السلطة السياسية، بل في المثقف الذي يسمح للسلطة أو المؤسسة أو الشهرة أو المصلحة بأن تحوّله من صاحب موقف إلى تابع.
ومن هنا تأتي كلمة «البلطجة» في العنوان؛ فالكاتب لا يقصد بالضرورة العنف الجسدي، وإنما يستخدمها لوصف ممارسات داخل الوسط الثقافي مثل:
فرض أسماء معينة على المشهد الثقافي.
إقصاء المختلف أو المنافس.
تحويل العلاقات الشخصية والسياسية إلى وسيلة للحصول على النفوذ.
استخدام النقد والصحافة والمنابر الثقافية لتصفية الحسابات.
تقديم الولاء السياسي أو الشخصي على القيمة الأدبية.
صناعة «نجوم» ثقافيين لا تتناسب شهرتهم بالضرورة مع قيمتهم الإبداعية.
وهذا يتقاطع مع ما يظهر في مواد أخرى للكاتب حول علاقة المثقف بالسلطة، كما أن عنوانًا آخر له هو «لماذا يكره المثقفون بعضهم؟»، وهو كتاب يبلغ 221 صفحة أيضًا، ويبدو أن سؤال الصراع داخل الوسط الثقافي حاضر بقوة في مشروعه النقدي.
مثال مهم لفهم الفكرة:
أحد النماذج التاريخية التي تساعد على فهم المناخ الذي ينتقده الكتاب هو الثقافة العراقية في عهد النظام السابق؛ فقد كانت هناك مسابقات ومؤسسات ومنابر ثقافية مرتبطة بالسلطة، وكان بعض الأدباء يحصلون على النشر أو الجوائز أو المواقع مقابل الانخراط في الخطاب الرسمي، في حين تعرض آخرون للتهميش والمنع.
وتوجد شهادات عراقية منشورة تصف مثلًا مسابقات «قادسية صدام» في القصة والشعر، وكيف ارتبط بعضها بالنشر والمكافآت، في مقابل إقصاء أصوات أخرى.
وهنا تصبح المسألة عند جمال حسين علي أكبر من مجرد سؤال: “من هو الكاتب الجيد”؟
بل تصبح:
من الذي يملك القدرة على أن يجعل الكاتب مشهورًا؟ ومن الذي يقرر من يدخل المشهد الثقافي ومن يبقى خارجه؟
وهذا هو جوهر فكرة «بزار الثقافة» في العنوان: الثقافة تتحول، مجازًا، إلى سوق للمساومات والمصالح بدل أن تكون مجالًا حرًا للإبداع والفكر.
أهم ما أراه في مشروع الكتاب هو أنه لا يضع اللوم كله على السلطة؛ بل يطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا:
ماذا يحدث عندما يصبح المثقف نفسه جزءًا من آلية صناعة التبعية؟
أي أن المشكلة قد تبدأ من السلطة، لكنها تستمر بسبب وجود مثقفين يقبلون اللعبة ويشاركون فيها.
وهذا قريب من مفهوم أوسع في نقد المثقفين، وهو فكرة «خيانة المثقف»: أن يتخلى صاحب الفكر عن استقلاله الأخلاقي والعقلي عندما يصبح تابعًا للقوة أو الحزب أو المصلحة.
و كذلك يناقش الكاتب سؤالًا مهمًا: هل المثقف مستقل فعلًا، أم أن المؤسسات والسلطات والامتيازات تستطيع التأثير في أفكاره ومواقفه وإبداعه؟
ويبدو أن الكتاب يتخذ موقفًا نقديًا من ظاهرة تبعية بعض المثقفين للمؤسسة الثقافية، ويرى أن الثقافة تفقد جزءًا من قيمتها عندما تتحول من مجال للإبداع والنقد الحر إلى مجال للمجاملة والمصالح.
أهم المحاور التي يدور حولها:
.المثقف والسلطة: كيف يمكن للسلطة السياسية أن تؤثر في الأدب والفن والفكر
.المؤسسات الثقافية: نقد طريقة إدارة بعض المؤسسات والمنابر الثقافية ودورها في صناعة الأسماء الثقافية
.التهميش والإقصاء: الكاتب يتوقف عند مشكلة صعود أسماء معينة وتهميش أسماء أخرى، ليس دائمًا لأسباب إبداعية
.الجوائز والمكاسب: يناقش تأثير الجوائز والمنافع والمواقع الثقافية في سلوك بعض المثقفين
.استقلال الثقافة: يدافع بصورة عامة عن ضرورة أن يحتفظ المثقف بمسافة نقدية من السلطة والمؤسسة
.الثقافة العراقية: يحتل العراق مساحة مهمة من هذا النوع من النقاش، خصوصًا بسبب التاريخ السياسي والثقافي المعقد الذي مر به البلد
خلاصة الكتاب:
يرى الكاتب ( جمال حسين علي ) أن الثقافة لا تتعرض للخطر من الجهل فقط، بل أيضًا من بعض من يُفترض أنهم حراسها. ويعرض صورًا متعددة لما يسميه “بلطجة المثقفين”، مثل:
استغلال المكانة الثقافية لإقصاء الأصوات الجديدة.
تحويل النقد إلى هجوم شخصي أو تصفية حسابات .
انتشار المجاملات والمحسوبيات على حساب الكفاءة والإبداع .
السعي وراء الشهرة والسلطة الثقافية أكثر من البحث عن الحقيقة.
استخدام الجوائز والمنابر والعلاقات لبناء نفوذ ثقافي بدلاً من خدمة المعرفة.
ويريد المؤلف أن يلفت الانتباه إلى أن الفساد الثقافي قد يكون أخطر من الفساد الإداري أو السياسي، لأنه يؤثر في الوعي ويعيد إنتاج الرداءة. لذلك يدعو إلى ثقافة تقوم على الحرية، والنقد المسؤول، والكفاءة، بعيدًا عن الهيمنة والمصالح الشخصية.
و الفكرة الأهم هي أن المثقف الحقيقي لا ينبغي أن يكون تابعًا؛ فوظيفة الثقافة ليست تزيين صورة السلطة أو المؤسسة، وإنما طرح الأسئلة وكشف التناقضات والدفاع عن حرية التفكير.
و هذا الكتاب ليس مجرد حديث عن الأدباء، بل يمكن قراءته باعتباره نقدًا لعلاقة الثقافة بالسلطة والمصلحة..

+ There are no comments
Add yours