الردع في عصر الذكاء الاصطناعي ..المفهوم والمنطق والغاية (2)

 نمتار / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي

يحتل الردع مكانة أساسية في الفكر الاستراتيجي الحديث، لأنه يقوم على فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد عند التطبيق: منع الخصم من القيام بفعل لا نريده من خلال التأثير في حساباته قبل أن يقدم عليه. فغاية الردع ليست استخدام القوة، وإنما جعل استخدامها غير ضروري، بإقناع الخصم بأن ما سيخسره نتيجة فعله سيكون أكبر مما يتوقع أن يحققه من مكاسب. ومن هنا يختلف الردع عن الحرب؛ فنجاح الحرب يقاس بما تحققه القوة بعد استخدامها، بينما يقاس نجاح الردع بما تمنع القوة وقوعه من دون الحاجة إلى استخدامها.

والردع بهذا المعنى ليس وليد العصر النووي، فقد عرفت الدول منذ القدم فكرة منع الخصم من العدوان بإظهار القوة والاستعداد لاستخدامها. غير أن ظهور السلاح النووي بعد الحرب العالمية الثانية حوّله من ممارسة قديمة إلى نظرية استراتيجية متكاملة؛ إذ جعلت القدرة على إلحاق دمار هائل بالخصم السؤال الأساسي ليس كيف تنتصر الدولة في الحرب، وإنما كيف تمنع وقوعها أصلًا.

وقد عبّر برنارد برودي مبكرًا عن هذا التحول عندما رأى أن الغاية الأساسية للمؤسسة العسكرية في العصر النووي أصبحت منع الحرب بقدر ما هي الاستعداد لخوضها (Brodie, 1946). ثم طور توماس شيلنغ هذا المنطق، موضحًا أن القوة العسكرية لا تستمد قيمتها من استخدامها فقط، بل من قدرتها على التأثير في إرادة الخصم وقراراته من خلال التهديد المقنع بالعواقب (Schelling, 1966). وهكذا أصبح الردع عملية نفسية وسياسية بقدر ما هو عملية عسكرية.

ويقوم منطق الردع على عناصر مترابطة في مقدمتها القدرة والإرادة والمصداقية. فلا تكفي القدرة إذا لم يعتقد الخصم أن الدولة مستعدة لاستخدامها، كما لا تكفي الإرادة إذا لم تسندها وسائل فعلية. أما المصداقية فهي التي تربط بينهما، لأنها تجعل الخصم يعتقد أن التهديد يمكن تنفيذه إذا تجاوز الحدود التي حددها الطرف الرادع.

ويتحقق الردع في صورته الأساسية بطريقتين: الردع بالعقاب (Deterrence by Punishment)، أي تهديد الخصم بإيقاع خسائر جسيمة به إذا أقدم على العدوان؛ والردع بالمنع (Deterrence by Denial)، أي إقناعه بأنه لن يستطيع تحقيق أهدافه لأن الطرف المدافع يمتلك القدرة على إحباط الهجوم أو حرمانه من ثماره. وبعبارة مبسطة، تقول رسالة العقاب: إذا فعلت ذلك فسوف تدفع ثمنًا باهظًا، بينما تقول رسالة المنع: لن تستطيع تحقيق ما تريد حتى إذا حاولت.

لكن امتلاك القدرة لا يكفي لتحقيق الردع؛ إذ ينبغي أن تصل الرسالة إلى الخصم وأن يفهمها بالطريقة المقصودة. ولذلك يمثل الاتصال الاستراتيجي جزءًا أساسيًا من عملية الردع، سواء تم من خلال التصريحات السياسية أو نشر القوات أو المناورات أو رفع درجات الاستعداد. غير أن النتيجة تتوقف في النهاية على إدراك الخصم للرسالة، لا على ما يعتقد الطرف الرادع أنه أرسله، وهو ما يجعل سوء الإدراك أحد الأسباب المهمة لفشل الردع (Jervis, 1976).. وقد كانت الحرب الباردة المختبر الأكبر لهذه النظرية. فالقدرة على توجيه ضربة نووية انتقامية حتى بعد التعرض لضربة أولى جعلت الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خيارًا لا يستطيع أي منهما تحمل نتائجه. ومع ذلك، لم يمنع الردع النووي الحروب الإقليمية والأزمات والصراعات بالوكالة. وهذه ملاحظة مهمة لفهم الردع في عالم اليوم: قد ينجح الردع في منع مستوى معين من الصراع، بينما يفشل في منع مستويات أخرى منه. ومن ثم فإن اندلاع الحرب لا يعني بالضرورة انهيار الردع بكامله، بل قد يكشف حدود المجال الذي يستطيع العمل فيه. كما يفترض الردع قدرًا من العقلانية في حساب الكلفة والعائد، لكن هذه العقلانية ليست مطلقة. فالدول والقيادات تختلف في تقدير المخاطر، وفي أهمية المصالح التي تدافع عنها، وفي استعدادها لتحمل الخسائر. ولذلك فإن فهم الخصم وثقافته الاستراتيجية ودوافعه لا يقل أهمية عن معرفة حجم القوة التي يمتلكها الطرفان.

وهكذا ظل جوهر الردع، رغم تطور نظرياته وأدواته، ثابتًا: التأثير في قرار الخصم قبل استخدام القوة. لكن البيئة التي يعمل فيها هذا المنطق تغيرت جذريًا. فالنموذج الذي تشكل أساسًا في عالم الدول والأسلحة التقليدية والنووية أصبح مطالبًا اليوم بالتعامل مع الفضاء والفضاء السيبراني والمسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والفاعلين من غير الدول. ولذلك لم يعد السؤال ما إذا كان الردع قد فقد قيمته، بل ما إذا كانت الأدوات والمفاهيم التقليدية التي استخدمناها لتحقيقه ما تزال كافية لعالم تغيرت فيه طبيعة القوة والحرب والخصم معًا….يتبع

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours