د. عبد الله ولد أباه
كتب المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر» أن الماركسيين العرب يستخدمون الماركسية ليس بصفتها منهجاً للتطبيق، بل عقيدة مطبقة.
لعل هذه الهفوة النظرية الخطيرة هي أحد الأسباب الرئيسية لفشل الأحزاب والحركات الشيوعية العربية، وإخفاق مقاربات تطبيق المقاييس الماركسية على النصوص والممارسات الاجتماعية في عالمنا العربي، رغم مرونة وخصوبة هذه المقاييس.
ولا شك أن كتابات المفكر العراقي البارز عبد الحسين شعبان تشكل استثناءً كبيراً بالنسبة لهذه الاتجاهات السائدة في الحقل السياسي والثقافي العربي. فالرجل الذي خبر عن قرب التنظيمات اليسارية والأوساط الشيوعية والماركسية، انتبه مبكراً إلى خطورة انتزاع الأفكار والمفاهيم من سياقها ومرجعيتها الأصلية، وأكد خصوصيات الثقافة العربية من حيث مقومات النظر وطرق الاجتماع ونظام القيم والممارسات. ولقد أهّلته لهذه الميزات ثقافته القوية المتنوعة واطلاعه الواسع في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسية، وخبرته الميدانية التي لا تضاهى على صعيد النضال الوطني والحقوقي.
لقد بدأ شعبان مبكراً نقده للماركسية، مميزاً بين عدة أنواع من الماركسيين العرب هم: «الماركسيون الطقوسيون» الذين لا يرون في الماركسية سوى طقوس وشعائر ومناسبات احتفالية، و»الماركسيون المدرسيون» الذين لا يعرفون من الماركسية سوى نسختها الأيديولوجية السائدة، و»الماركسيون المسلكيون» الذين هم جزء من الماكينة الإدارية والتنظيمية للمؤسسات الحزبية الشيوعية، و»الماركسيون العولميون» الذين انتقلوا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي إلى أمريكا وأصبحوا من مروجي مشروعها في المنطقة. أما الفئة القليلة من الماركسيين العرب التي اختارت نهج «النقد والاجتهاد» فليس لها موقع حقيقي وفاعل في الساحة الثقافية والفكرية العربية[1].
الماركسية التي يدافع عنها شعبان هي «فكرة مدنية حداثية تعنى بدراسة الظواهر وتحليل الأوضاع ونقدها». في هذا المنحى يذهب شعبان إلى رؤية قريبة من نظرية عبدالله العروي في «الماركسية الموضوعية» التي تختزن كل الموروث التنويري والحداثي بما فيها الأفق الليبرالي الديمقراطي.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن عبد الحسين شعبان كان سبّاقاً إلى اكتشاف الوجوه الفلسفية والفكرية التي جددت دماء الماركسية، مثل المفكر الإيطالي غرامشي والفيلسوف الفرنسي لويس التوسير، كما كان سبّاقاً إلى إغناء الفكر الماركسي التقليدي بالأطروحات الفلسفية الجديدة من مناهج أبستمولوجية وتأويلية وتاريخ أفكار ومفاهيم.
الحصيلة الإيجابية لهذه المراجعات العميقة تكمن في مقارباته الجديدة لمسائل جوهرية في وضعنا العربي الراهن مثل الموقف من الدولة والمطلب الديمقراطي والالتزام المدني والحقوقي والمسألة القومية والنضال التحرري.
على عكس النظرية الماركسية التقليدية التي راهنت على اختفاء الدولة بصفتها أداة من أدوات الاستغلال والهيمنة الطبقية، يرى شعبان أن هذه النظرية تتسم بالطوبائية المثالية الحالمة «إذ إن تاريخ البشرية سار باتجاه تعزيز وتقوية الدولة، سواء كانت دولة حماية أو دولة رعاية أم دولة رفاه».
يعي شعبان أن التجربة اللينينية بتطبيقاتها العديدة في العالم أدت إلى تكريس حالة الاستبداد الحزبي الأحادي والتسلط القمعي، بما يعني أن الدولة بدلاً من أن تختفي أو تتقلص قد تغولت وتضخمت، والمطلوب ليس القضاء على الدولة من أجل حل الصراع الطبقي، بل بناء دولة المواطنة الحرة والعادلة التي هي الأفق الجديد للحدس الماركسي.
إن الخطأ الذي وقع فيه الماركسيون العرب هو التبني الميكانيكي لأطروحة ماركس حول الدولة التي كانت مقيدة بالتجربة التاريخية الأوروبية وما اتسمت به من ضغط المسألة الطبقية. لقد أهمل هؤلاء المسألة الوطنية والقومية كما تشكلت في مقاومة السياسات الاستعمارية باعتبارها ضرورة قصوى لا تقل من حيث الأهمية عن المسألة الاجتماعية.
وبالإضافة إلى هاتين المسألتين، يتعين الاهتمام بالمسألة الديمقراطية والإنسانية، من منطلق تكامل حرية الوطن والأمة مع حرية الإنسان ونيله حقوقه الجوهرية كاملة[2].
لبناء هذه المنظومة النظرية بأضلاعها الثلاثة (الدوائر الوطنية القومية، والاجتماعية، والديمقراطية الإنسانية)، يوظف عبد الحسين شعبان مدونة منهجية واسعة تستند إلى أحدث وأدق النظريات الاجتماعية والفلسفية.
في هذا السياق، يقف شعبان عند فكرة «المواطنة» التي هي المقولة الناظمة للفكر السياسي الحديث، رافضاً اختزالها في اعتبارات الهوية والجنسية والانتماء الديني والعرقي والتاريخي.
المواطنة كما يعرفها هي «مجموع القيم الإنسانية والمعايير الحقوقية والقانونية المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، التي تمكن الفرد من الانخراط في مجتمع والتفاعل معه إيجاباً والمشاركة في إدارة شؤونه».
يطلق شعبان على المواطنة بهذا المعنى «المواطنة العضوية»، التي تختلف عن الرابطة القانونية والسياسية، وتتجاوز حيز الولاء للدولة لتشمل حقوق الإنسان المدنية والسياسية، وفق معايير المساواة والعدالة والمشاركة في صنع القرار، بما يفرض قيام مجتمع مدني حي ونشط في مقابل الهياكل العصبية والطائفية المعيقة للمواطنة[3].
بالمنطق ذاته، يعيد شعبان تحديد فكرة «العروبة»، بمنأى عن التجاذب الأيديولوجي في الساحة العربية حول هذا المفهوم المركزي في الفكر العربي.
لا بد من التمييز هنا بين «الفكرة القومية كأيديولوجيا» و»الفكرة القومية كرابطة إنسانية – اجتماعية وجدانية». ما يهم شعبان هو الفكرة الثانية التي يتبناها التيار العروبي التقدمي من منطلقي الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية.
العروبة هنا تختزن معاني الوحدة والحداثة في أبعادها العقلانية والمدنية والديمقراطية التي هي ضمان المواطنة المتساوية دون تمييز إثني أو طائفي أو ديني.
ولذا فإن شعبان يعيد تصور مفهوم الهوية، باعتبار أن «الهوية العربية مثل غيرها ليست ثابتة، إنها متحولة مثل جميع الهويات، وهي ليست كاملة دون تغيير». وإذا كان الفكر القومي العربي التقليدي يركز على ثوابت اللغة والدين، فإن شعبان يرى من منظور فلسفي ثاقب أن هذه الثوابت تخضع للمسارات التأويلية التفسيرية، كما أن العناصر الاجتماعية في الهوية من تقاليد وفنون تتحول بحسب المعطيات التاريخية المتغيرة. وهكذا يتعين الخروج من التصور الأحادي المغلق الهوية، ودفع استحقاقات التنوع الثقافي الذي لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات، وعدم استخدام الانتماءات الرئيسية مسوغاً لاستغلال وإقصاء الهويات الفرعية.
في أعماله المهمة حول العراق ومنها كتابه «جدل الهويات في العراق: الدولة والمواطنة» يطبق عبد الحسين شعبان هذه الرؤية على الحالة العراقية، مدافعاً عن الهوية المتنوعة والديمقراطية للكيان السياسي العراقي من حيث انتماءاته الوطنية والقومية ووحدة مجتمعه العضوية.
نقطة الانطلاق هنا هي الوضع العراقي بعد الاجتياح الأمريكي وما تلاه من مصاعب الانتقال السياسي، والهدف هو تجاوز التصدعات الإثنية الطائفية والدينية التي عصفت بوحدة وتماسك الكيان العراقي الذي تأسس في شكل دولة حديثة عام 1921.
يدافع شعبان بقوة عن عراق موحد تكون «هويّته العامة الكبرى» مستوعبة لكل الهويّات الفرعية، ضمن أطر حقوقية فاعلة تضمن التنوع الثقافي وترفض كل أشكال المركزية التسلطية الاستعلائية.
يقول شعبان موضحاً هذه الفكرة: «إن الحق في الهويّة الثقافية للشعوب يعطي للأشخاص والجماعات الحق بالتمتع بثقافاتهم الخاصة وبالثقافات الأخرى المحلية والعالمية، ذلك أن إقرار الحق في الثقافة يعني: حق كل ثقافة لكل أمة أو شعب أو جماعة في الوجود والتطور والتقدم في إطار ديناميتها وخصائصها الداخلية واستقلالها، ودون إهمال العوامل المشتركة ذات البعد الإنساني وقيم التعايش والتفاعل بين الأمم والشعوب والجماعات».
لم تكن هذه مجرد أفكار نظرية محضة، بل قد التزم بها عبد الحسين شعبان في مساره السياسي والحقوقي، في إطار العمل السياسي في الساحة العراقية كشخصية إجماع وطني قريب من كل الفئات دون تعصب قومي أو طائفي، أو كمفكر قومي يؤمن بالعروبة المنفتحة على الآخر دون انغلاق أو جمود.
————
فيلسوف وباحث وكاتب وأكاديمي موريتاني






+ There are no comments
Add yours