لوركا سبيتي
استهلال
حين التقيت به لأول مرة عرفت أنني أمام رجل ليس عادياً، هدوؤه يشي بعبقريته، والتزامه الصمت كطريق يوصله إلى ما هو أهم مما يحدث من ثرثرة، طريقته الأخرى في الكلام!
ينتقي كلامه بكثير من العناية، مفردات هائمة كأن تدفقها لن ينتهي. وكذلك ينتقي صمته ويحترفه. يبتسم فيُسقِط شيئاً من الراحة على من يقابله، يضحك فيبدو أكثر جدية مما هو عليه، تصغر عيناه كأن خيطاً شفافاً يربط بينهما وبين فمه.. تتأمل نظراته فتدرك أن الهم كبير لا يتسع له مكان ولا زمان، تلاحظ شروده فتعرف أن الأحلام تقددت وصارت جاهزة للتعليب، تراقب تجاعيده المتسارعة كخطى متسارعة فترى تجارب تمشي بقدمين على صفحة وجهه، تلقي عليه التحية فتحتار على من تسلم؛ طيب القلب أم خشوع الملامح.
الوطن والأسئلة
تسمعه يصرّ على مواقفه، فتتأكد من أنك أمام مناضل شرس تعلّم كيف يبري قلمه فيصير سكيناً، وكيف يتفادى مقتله في كل مرة ينادي فيها: كلنا للوطن.
أسأله: هل أوطاننا تستحق كل هذا النضال؟ وهذا الموت؟
الرجلُ واضحٌ جداً مثل مشهدٍ ربيعيٍّ، لا شيءَ يخبئُه ولا مجازَ يتوارى خلفَه.. أفكارُه واضحةٌ صادحةٌ وخيالُه رقَّ حتى شفَّ.. وخفَّ وطارَ.. الأفكار لا نريد تشذيبَها علّها تستحيلُ بريّةً.. والبريّةُ حريّة.. كل ما كتبه صدّقه وشكّ به، وكل ما قرأه حلّله وشكّ به أيضاً.
سأعيد صياغة الجملة: كل ما كتبه هو نتيجة شكّه في كل شيء، نتيجة إيمانه بالأسئلة لا بالأجوبة، في عالمٍ ليس معنيّاً بطرح الأسئلةِ بقدرِ ما تستهويه الأجوبةُ.. يطرحُ كاتبنا أسئلةً كثيرةً دون أن ينتظرَ جواباً.. فالجوابُ حدٌّ والسؤالُ لا ينتهي ولا يُحدُّ.. الجوابُ سلاسل والسؤالُ أغنيةٌ… الجوابُ أيديولوجيا والسؤالُ ميثولوجيا.. هو يؤمن بالخرافة أكثر من إيمانه بزعيمٍ درسَ سيكولوجيةَ الجماهير وقضى عمره يخطب بالجماهير، ويقول لهم ما عليهم فعله، يرشدهم إلى الصراط المستقيم، ويعدهم بالجنة هدية بعد الصلاة.
كاتبنا آمن بالإنسان على طريقة كارل ماركس: «لحلّ أي مشكلة يجب الرجوع إلى الجذر، وجذر أي مشكلة هي الإنسان».. وكاتبنا آمن بأن كل فكرة ينشرها ستغير ولو بعد حين وأيضاً على الطريقة الماركسية: «التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي»!
النجف
إذن الرجل ماركسيّ، مع أنه تربى وكبر في النجف الشيعية، كانت مدينة مفتوحة، يخبرني، كأنها معهد دراسي يلتقي فيه الوافدون للدراسة والزائرون بالمناسبات الدينية، وهي مدينة جدل مستمرّ وحوار أضداد في الكثير من الأحيان، فقد سكن فيها الديني والعلماني وتعايشا، إضافة إلى ذلك فهي ملتقى الأعراق والأقوام واللغات، المدينة الدينية مدنيّة أيضاً، كل ما فيها كان يبحث عن الجديد ويتطلّع للتنوير والتغيير، ويسعى إلى التواصل مع العالم.
هذا هو السر، صبيّ شبّ في مدينة فيها كل ما فيها، والتصق عليه كل ما فيها، وهكذا يصبح الإنسان مرآة مكانه، ويصبح الناس أسرى مراياهم، يصبح المقيم مكاناً والمكان روحاً لا تركن، هذا هو تعريف الأمكنة وبالتالي الأوطان.
فبعد تنقُّله بين مدن العالم أجمع، يجمع قوتاً لخياله وحطباً لموقد التاريخ ليُدفئ المستقبل، ظهر بأنه ليس المهم المكان الذي نسكنه بل المكانُ الذي يسكننا.. السؤال هنا: هل الأمكنة هي حيز مساحي أم زمني أم بئر ذكريات؟ وما الوطن أصلاً بنظره؟ هل هو كما قيل «أن لا يحدث كل هذا»؟!
إلغاء الاستغلال
لقد آمن «عبد الحسين شعبان» بتحقيق العدالة والمساواة وإلغاء الاستغلال، ولاسيّما في مواجهة الظلم الخارجي المتمثّل بالاستعمار، والظلم الداخلي المتمثّل بالسياسات الخاطئة والتبعية والأفكار الرجعية. وبالطبع لم تكن القراءات الأولى التي شكلت وعيه الأول، كافية في تكوين صورة دقيقة عن العالم، والماركسية التي مثّلت منظومة قيمية أولى، ظلّت بنظره بحاجة إلى النقد. من هنا قدّم صاحب كتاب « تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف» 2009، قراءات جديدة للماركسية، ومن موقع النقد للماركسية، فبرأيه لا وزن لأي تجربة إنسانية إلّا بنقدها.. ولم يجارِ «مركسة الإسلام» أو «أسلمة الماركسية»، وإن كان كلاهما يدعو إلى العدالة.
الثقافة
همّه الإنساني جعله متدفقاً لا ينضب، فمساهماته الثقافية والأدبية والسياسية والفكرية لا تُعدّ.. زد على أنه الأكاديمي والمفكّر من الجيل الثاني للمجدّدين العراقيين، وزد يساريته التي أكدت وعيه التنويري وثقافته المتنوعة، وأنتجت سلوكه الحداثوي في رؤيته لمفاهيم الديمقراطية وقضايا الإنسان والمجتمع المدني والأديان والقوانين الدستورية والدولية وتخصصه بكل ما فيها من قضايا النزاعات والحروب والتّسامح واللاعنف..
يعدّ عبد الحسين شعبان من المثقفين الإشكاليين الذين سلكوا طريق النقاش وأيضاً الجدل، الأول يخوضه دون مراوغة، والثاني يراوغه ليصل إلى الحقيقة عن طريق الحريّة، تلك التي قال عنها هيغل: «التوجه الدائم نحو الحقيقة، ذاك التوجّه الذي لا ينتهي أبداً». جمع بين العمل الفكري والأكاديمي والنضالي وأعطى لنشاطه السياسي معنى حقوقياً، مزج السياسة بالثقافة، وذلك كلّه تم تحت مراجعة ذاتية ونقد ذاتي ونقد النقد، واهتم بمعالجة قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، وبذل جهداً في ذلك عبر مؤلفات كثيرة.
الأدب
اختص بالأدب أيضاً، وكتب عن مظفر النواب بعد أن وضعه في مدرسة التجديد.. واعتبره استمراراً لمدرسة بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي، وأدونيس ومحمود درويش ومحمد الماغوط وسعدي يوسف ورشدي العامل ويوسف الصائغ، أحبه في شعره المحكي باللهجة العراقية: «أستطيع القول إن الشعر الشعبي العراقي قبل مظفر النواب ليس كما هو بعده، فالحاج زاير والملّا عبود الكرخي وحسين قسّام وعبد الحسين أبو شبع كمبدعين، مثّلوا المدرسة الكلاسيكية، وكانت مدرسة النواب هي الحدّ الفاصل بينهم وبين المدرسة الجديدة الحداثية، ومن أتى بعده من المجدّدين في الشعر الشعبي (اللغة المحكيّة)، اقتفوا أثره بشكل أو بآخر».. صادق الجواهري لنحو 3 عقود من الزمن حتى وفاته في العام 1997.
الروافد الروحية
ولو وضعنا كنزنا الثمين هذا الذي تشكل إنساناً على بلاطة التشريح لنكتشف سر لوثته، فسنرى روافد روحية ثلاثاً شكّلت أساساً لتكوينه الثقافي؛ أولها القرآن الكريم، الذي كان يفتتح والده عزيز شعبان صباحه به بصوته الرخيم، وثانيها الأدب بعامة والشعر بخاصة، ولاسيّما شعر الجواهري، الذي امتلأت مكتبات أعمامه وأخواله به، والذي تناقله وحفظه مع الرفاق؛ وثالثها كما يقول: «الفكر اليساري والماركسي بشكل خاص ضمن الموجة السائدة آنذاك في أواخر الخمسينيات، ولاسيّما في أجواء العائلة والأصدقاء والمدينة».
روائح الشعر
تفوح من كتاباته ومقالاته وحتى سلوكه الحياتي وإصغائه للشعر والشعراء رائحة الشعر، فكأننا نشعر في بعض الأحيان سراً وخلسة أننا أمام شاعر كتب بلغة أدبية القانون والدساتير، وأعد الدراسات في المواثيق الحقوقية الإنسانية. ولا عجب من ابن النجف أن يبوح همساً بأنه جرّب كتابة الشعر في البدايات، لكنه انصرف عنها لخشيته من دخول مملكة الشعر: «أشعر بهيبة كبيرة أمام سلطان الشعر. والشعر عندي مثل ابن رشد، أوفر حظاً من الفلسفة، وأسمى مقاماً من التاريخ، لأنه يتناول الكلّي من الأشياء، إنه سؤال ورؤية وصورة وإحساس وحلم ومخيّلة، وقبل كلّ ذلك دهشة، ولا شعر دون دهشة»!
غزّة
أسأله: «مساهماتك التنويرية والحداثوية بخصوص المجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية.. ماذا يقول لك كل هذا عن حرب غزّة اليوم؟».
يجيب بحسم: «حسب قواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي، وبعيداً عن العواطف، وإن كانت هذه الأخيرة هي التعبير الأكثر انسجاماً عن المشاعر الإنسانية، فحسب نيتشه «ما قيمة فضيلتي إن لم أكن عاطفياً»، أقول: إن ما يحدث في غزّة هو جريمة مكتملة الأركان، وهي حرب إبادة، جرت فيها انتهاكات سافرة ضدّ الإنسانية، ناهيك عن جرائم الحرب، علماً بأن التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية أنها «أراض محتلة»، والشعب الذي لا يقاوم محتليه، إنما هو شعب من العبيد، خصوصاً أن جميع القوانين الوضعية والسماوية تعطي للبلد المحتلة أراضيه حق المقاومة، التي هي عمل مشروع للدفاع عن النفس».
مثقفنا الذي قضى عمره مناضلاً حرّاً، والذي آمن بالثقافة كسلاح أخير في وجه الجهل والاستعباد والاحتلال، يرى أن أصل المشكلة في العالم العربي يعود إلى عدم قدرة الشعوب العربية على إرساء الدولة – الأمة: «فالدولة التي نحتاجها في العالم العربي هي التي تقوم على قاعدة المواطنة السليمة والمتكافئة وحكم القانون، وبالطبع لا مواطنة حقيقية دون حريات وشراكة ومشاركة ومساواة وعدالة، ولاسيّما عدالة اجتماعية بحدّها الأدنى».
والحل؟ يجيب المفكر عبد الحسين شعبان بأنه لا بدّ من مصالحات تاريخية بين التيارات الاجتماعية والسياسية، ونشر وتعميق ثقافة الحوار والتسامح والسلام وقبول الآخر واحترام الحقوق والحريّات، وصولاً إلى ما هو مشترك وإنساني، وإلّا «فإن مجتمعاتنا سائرة نحو التفتت والتآكل والانشطار».
الكتبُ غزيرة وقد تبدو لكثرتها خرافة.. نزيفه فاض على مكتباتنا ومكتبات العالم، ونحن سعيدون بها وبه.. ولكن السؤال الذي يصرّ عليّ والذي يبقى بلا جواب: «ماذا فعلت الكتب منذ أن كانت شجراً، والشجر استحال أوراقاً، والأوراق امتلأت أفكاراً، والأفكار طارت وعلّت وحلّقت وعادت وحطّت على الشجرة؟ ماذا فعلت في هذا العالم المدّمى؟ وماذا تقول للضحايا؟ وماذا تقول للجلاد؟».
—-
لوركا سبيتي
شاعرة وكاتبة ومقدمة برامج لبنانية






+ There are no comments
Add yours