نمتار / د. عبد الوهاب العاني
في خضم التعقيدات السياسية التي يشهدها العراق، يبرز تكليف السيد علي الزيدي بوصفه خطوة تثير العديد من التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود الممكن فيها. فالمشهد لا يبدو بسيطًا، بل هو محكوم بتشابكات داخلية وضغوط خارجية تجعل من أي قرار مصيري اختبارًا بالغ الحساسية.
من الواضح أن الإطار لم يدفع بمرشحه ليكون أداة لتنفيذ اشتراطات خارجية تمسّ بنيته السياسية والأمنية، ولا ليقدّم تنازلات قد تُخلّ بتوازناته الداخلية. كما أن شخصية الزيدي، حتى الآن، لا توحي بأنه رجل صدامات كبرى، أو أنه يمتلك رصيدًا سياسيًا يمكّنه من كسر القيود المفروضة عليه أو التحرر من سقف القوى التي جاءت به.
انطلاقًا من ذلك، يمكن قراءة هذا الترشيح ضمن مسارين محتملين:
الأول، أنه خيار مرحلي يهدف إلى تجاوز ضغوط الوقت والاستحقاقات الدستورية، مع محاولة امتصاص التوترات بانتظار اتضاح ملامح التفاهمات الإقليمية والدولية.
أما الثاني، فهو أقرب إلى محاولة “جس نبض” لإدارة ترامب والقوى الدولية، لمعرفة مدى القبول بشخصية غير صدامية، مرنة، وقابلة للتكيّف مع المتغيرات.
لكن، وبين هذين المسارين، يبقى التحدي الأكبر الذي سيواجه الزيدي هو إدارة التوازن، لا حسمه. فالمعادلة العراقية اليوم لا تتحمل قرارات كسر عظم قد تفجّر الداخل، وفي الوقت ذاته لم تعد تقبل بسياسة “إرضاء الجميع” التي أثبتت محدوديتها.
فإذا مال الزيدي نحو تلبية الاشتراطات الأمريكية بشكل واضح، فإنه سيخسر الحاضنة السياسية التي جاءت به، وربما يواجه رفضًا داخليًا يقوّض حكومته،
وإذا تجاهل تلك الاشتراطات، فإنه سيجد نفسه أمام ضغوط دولية متصاعدة، قد تصل إلى حد العزلة وتعطيل مسار حكومته منذ بدايتها.
أمام هذا المأزق، قد يلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ”التدوير الذكي للأزمات” ، عبر تبنّي خطوات تدريجية أو شكلية تُظهر قدرًا من الاستجابة، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الداعمة له. وقد تتجسد هذه المقاربة في إصلاحات اقتصادية أو إدارية تطال بعض الملفات الحساسة، دون الاقتراب من جوهر التوازنات السياسية والأمنية القائمة.
غير أن السؤال الجوهري يبقى قائمًا: هل تتيح المرحلة المقبلة مساحة لهذه المنطقة الرمادية؟ أم أن التطورات الإقليمية والدولية ستفرض مواقف أكثر حدة، لا تقبل المناورة ولا تحتمل التأجيل؟
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، لن يكون أمام الزيدي ترف الوقت ولا مساحة واسعة للمناورة؛ فكل خطوة ستحسب عليه، وكل موقف سيُقرأ باعتباره انحيازًا لهذا الطرف أو ذاك. المرحلة القادمة لا تبدو قابلة لإدارة طويلة بأسلوب التهدئة أو تدوير الزوايا، بل تتجه – على الأرجح – نحو لحظة مفصلية تفرض وضوحًا لا لبس فيه، وعند تلك اللحظة، لن يكون السؤال: كيف يدير التوازن؟ بل: أي كفة سيختار أن يميل إليها، وما الثمن الذي هو مستعد لدفعه؟
فإما أن ينجح في إعادة تعريف قواعد اللعبة بشكل يضمن بقاء الدولة وتماسكها، وإما أن يجد نفسه جزءًا من معادلة مأزومة أكبر منه، تنتهي بإعادة إنتاج الأزمة بدل حلّها.
وهنا، لا يُقاس النجاح فقط بالبقاء في المنصب، بل بالقدرة على اتخاذ قرارٍ في الوقت المناسب… قرارٍ قد يكلّف كثيرًا، لكنه وحده ما يصنع الفارق في لحظات التحول الكبرى.


+ There are no comments
Add yours