نمتار/ د. فيصل صادق توفيق *
في ظل التوجه الحكومي الطموح الذي تسير عليه حكومة إقليم كوردستان نحو ترسيخ مكانة الإقليم كوجهة سياحية إقليمية ودولية، نؤكد في إدارة سوران أننا لسنا أمام مشاريع متفرقة بقدر ما نحن أمام رؤية متكاملة لإعادة صياغة مفهوم السياحة على أسس حديثة تقوم على الترابط بين البنية التحتية والطبيعة والهوية الثقافية. إننا نسعى إلى بناء تجربة سياحية متكاملة تبدأ منذ لحظة وصول الزائر وتمتد عبر مسار غني بالتفاصيل الجغرافية والإنسانية، بحيث لا تكون الزيارة مجرد انتقال بين مواقع، بل رحلة متكاملة تعكس عمق المكان وتنوعه. وانطلاقاً من هذه الرؤية، نعمل وبالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية، على ترجمة توجهات حكومة الإقليم إلى مشاريع عملية على أرض الواقع، وهو ما يتقاطع مع ما أكده السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة الاقليم من أن الاستثمار في السياحة يمثل أحد أهم ركائز تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستدامة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير البنية التحتية وخلق بيئة جاذبة للاستثمار السياحي. وفي هذا الإطار، فإننا في المديرية العامة للسياحة في إدارة سوران المستقلة نتطلع إلى أن نكون نموذجا تطبيقيا لهذه الرؤية من خلال مشاريع مترابطة تعيد رسم الخارطة السياحية للمنطقة.

ونحن نرى أن نقطة البداية الحقيقية لهذه التجربة تكمن في بوابة الدخول، حيث عملنا على تطوير طريق سبيلك – خليفان ليكون أكثر من مجرد طريق، بل مدخلاً سياحياً يعكس هوية سوران منذ اللحظة الأولى. لقد سعينا إلى أن يكون هذا الطريق فضاءً مفتوحاً يحقق انسيابية الحركة ويخفف من الاختناقات، وفي الوقت ذاته يوفر تجربة بصرية أولية من خلال التمتع بالمناظر التي تتيح للزائر فرصة التفاعل مع الطبيعة الجبلية. إننا نؤمن بأن الطريق لم يعد مجرد وسيلة انتقال، بل أصبح جزءاً من التجربة السياحية التي نحرص على تصميمها بعناية.

وفي قلب هذه المنظومة، نعمل على إعادة تقديم شلال كلي علي بك بوصفه أحد أهم المعالم الطبيعية في إقليم كوردستان، حيث نسعى إلى تطويره وفق معايير حديثة تضمن تنظيم الفضاءات المحيطة به وتوفير مسارات ومرافق خدمية متكاملة، مع الحفاظ الكامل على هويته الطبيعية. إننا لا نهدف إلى تغيير المكان، بل إلى إدارته بطريقة أكثر استدامة، بحيث نضمن استمراريته وقدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من الزوار دون الإضرار ببيئته. ومن هذا المنطلق، فإننا في مديرية السياحة نعمل على اعتماد تصاميم بيئية تراعي خصوصية الموقع وتنسجم مع طبيعته.

وفي موازاة ذلك، فإننا مقدمون على تنفيذ مشروع استراتيجي نوعي يتمثل في التلفريك الجبلي الذي يبدأ من بوابة كلي علي بك، ويربط خليفان بسوران ورواندوز، ويمثل هذا المشروع احد أبرز عناصر التكامل حيث يمتد لمسافة تتجاوز ١١ الف متر ما يجعله من أطول مشاريع التلفريك في الشرق الأوسط ويفر تجربة بانورامية فريدة تكشف جمال الجبال والوديان من منظور غير تقليدي، والذي نراه ليس مجرد وسيلة نقل، بل تجربة سياحية متكاملة تتيح للزائر اكتشاف جمال المنطقة من منظور جديد. اضافة الى ذلك نحن نتطلع من خلال هذا المشروع إلى تعزيز الترابط بين المواقع السياحية، وتقليل الضغط على الطرق الجبلية، وخلق عنصر جذب استثنائي قادر على استقطاب السياح من داخل الإقليم وخارجه. كما نؤمن أن مثل هذه المشاريع تمثل خطوة متقدمة نحو إدخال مفاهيم السياحة الحديثة التي تركز على تجربة الزائر وجودتها.
ولا يمكن فصل هذه الجهود عن الخصوصية التي تتمتع بها سوران، حيث نعمل على إبراز موقعها الجغرافي المميز الذي يربط بين العراق وإيران وتركيا، وما يحمله ذلك من تنوع ثقافي واجتماعي غني. إننا نسعى إلى تحويل هذا التنوع إلى عنصر قوة في المنتج السياحي، بحيث يجد الزائر نفسه أمام تجربة تجمع بين الطبيعة والثقافة والتاريخ. كما نولي أهمية خاصة للمواقع الأثرية في المنطقة، وفي مقدمتها كهف شاندر، الذي يمثل شاهداً إنسانياً على عمق التاريخ في هذه المنطقة، ويوفق وجود الإنسان منذ ما يقارب ٧٥ الف سنة ما يمنح سوران بعدا انسانيا يتجاوز حدود الجغرافيا، ونعمل على إدماجه ضمن المسار السياحي بطريقة تعزز من قيمته العلمية والثقافية.
إن ما نعمل عليه اليوم في سوران هو بناء منظومة سياحية متكاملة، حيث نرى أن قوة المشروع تكمن في ترابط عناصره، فطريق سبيلك يهيئ تجربة الدخول، وكلي علي بك يمثل القلب الطبيعي الجاذب، والتلفريك يمنح بعداً بصرياً واستثنائياً يعيد تعريف العلاقة بين الزائر والمكان. ونحن في إدارة سوران نؤمن أن هذا التكامل هو الأساس في تحقيق تجربة سياحية ناجحة ومستدامة، وهو ما يتماشى مع التوجهات العامة لحكومة الإقليم في بناء اقتصاد متنوع قائم على استثمار الموارد الطبيعية بشكل ذكي. وفي هذا الإطار، فإننا نتطلع إلى أن تكون سوران نموذجاً رائداً في السياحة المستدامة، وأن تسهم مشاريعنا في تعزيز مكانة إقليم كوردستان على خارطة السياحة الإقليمية والدولية. إننا لا نعمل فقط على تطوير مواقع سياحية، بل نسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان، من خلال رؤية توازن بين التنمية والحفاظ على البيئة، وتستند إلى التخطيط العلمي والاستثمار الواعي. وبذلك، فإننا ماضون بثقة نحو مستقبل سياحي واعد، نضع فيه سوران في موقعها الذي تستحقه كوجهة سياحية متكاملة تجمع بين الجمال الطبيعي والعمق الحضاري والتخطيط الحديث.
مدير عام السياحة في إدارة سوران المستقلة *


+ There are no comments
Add yours