المقهى بوصفه فضاء ثقافيا

 

د. حسين الانصاري

لم يكن المقهى عبر تاريخه مجرد مكان للراحة او لاحتساء القهوة التي ارتبطت بتسميتها، بل شكل منذ ظهوره فضاء اجتماعيا وثقافيا موازيا للمؤسسات الرسمية، ومختبرا حرا لتداول الافكار وصناعة الوعي. ففي المقهى تلاقت الاسئلة الكبرى مع التفاصيل اليومية، وتحولت الطاولة الصغيرة الى منبر، والكوب الساخن الى ذريعة للحوار، وهو ما جعل المقاهي، في مدن عديدة من العالم، جزءا لا يتجزأ من تاريخها الثقافي والفكري.

عالميا، ارتبطت المقاهي بنشأة الفكر الحديث، ولا سيما في اوروبا، حيث لعبت مقاهي باريس مثل (Café de Flore (كافيه دي فلور في حي سان جيرمان ومقهى لوس ماغوس (café les Magot ومقهى  porcooe التي تأسست عام 1686 ومقهى دولابيه ومقهى لا ميزون روز وغيرها مما شكلت رموزا ثقافية حيث كان يؤمها العديد من الاسماء الشهيرة اليوم من الكتاب والفنانين أمثال سارتر وسيمون دوبوفوار. وبيكاسو ونابليون وآخرين.

وكذلك الحال في لندن ومقاهيها المعروفة مثل مقهى ذا ولسلي وسكيتش وذا آيفي ورويال وغيرها تلك المقاهي التي استحدثت منذ القرن السابع عشر ومنها ولدت الصحافة الحرة كما في مقاهي فيينا مثل توماسيللي ، وسنترال،الذي كان ملتقى الفلاسفة منهم فرويد وتروتسكي وستالين ، وهناك ايضا مقاهي مثل لاندتمان وهاوليكا التي كانت مقراً لاجتماعات المثقفين، وملتقى لاسماء كبرى اسهمت في بلورة افكار التنوير والحداثه اشتهرت المقاهي بوصفها فضاءات للكتابة والتأمل والنقاش، حتى باتت تعرف بانها مكاتب غير رسمية للمفكرين والكتاب. اما في لندن وروما، فقد اسهمت المقاهي في تكوين الرأي العام، واحتضان النقاشات السياسية والادبية، في زمن لم تكن فيه الصحافة قد اخذت دورها الكامل.

وفي العالم العربي، احتلت المقاهي مكانة مميزة في الحياة الثقافية والاجتماعية، ولا سيما في القاهرة، التي عرفت مقاهيها الشهيرة مثل ريش ، الحرية الانجلو ،  الفيشاوي ، زهرة البستان وغيرها، بوصفها ملتقيات للادباء والشعراء والصحفيين، حيث كانت تناقش قضايا الادب والفكر والسياسة، وتولد النصوص والافكار التي شكلت جزءا من تاريخ الثقافة العربية الحديثة. وقد اسهمت هذه المقاهي في خلق علاقة حميمية بين المثقف والشارع، وجعلت الثقافة جزءا من الحياة اليومية.

وفي بيروت، المدينة التي عرفت بانفتاحها وتنوعها، استحدثت المقاهي لاسيما في شارع الحمرا كمقهى الهورس شو لصاحبه منح الدبغي و مقهى الأكسبرس ومقهى مانهاتن والنيغرسكو وستراند والدورادو ،والكافيه دو باري والمودكا، ومقهى الويمبي حيث لعبت دورا محوريا في احتضان الحوارات الفكرية والادبية، ولا سيما في فترات التحول السياسي والثقافي، حيث كانت المقاهي مساحات حرة للتعبير، وملتقى لكتاب وصحفيين وفنانين من اتجاهات مختلفة، مما اسهم في ترسيخ صورة بيروت بوصفها مدينة الحوار والاختلاف الخلاق..

اما في العراق، فقد ارتبطت المقاهي بتاريخ الحياة الثقافية، ولا سيما في بغداد وتميزت مقاهي شارع الرشيد بحضورها المتواصل ، حيث برزت مقاه مثل

البرازيلية، ياسين، شط العرب، البلدية، البرلمان، المعقدون، الشابندر، الزهاوي، العجمي وأم كلثوم  ،بوصفها ملتقيات للنخب الثقافية، ومراكز غير رسمية للنقاش الادبي والفني والسياسي. ففي هذه المقاهي، تلاقى الشعراء والكتاب والفنانون، وتداولوا هموم الثقافة والمدينة، وكان لها دور كبير في صناعة الذائقة العامة، ونقل الثقافة من النخب الى الفضاء الشعبي.

وفي السنوات الاخيرة، شهدت بغداد عودة لافتة للدور الثقافي للمقهى، من خلال مقاه حديثة مثل رضا علوان وقهوة وكتاب، التي اعادت الاعتبار للمقهى بوصفه فضاء للقراءة والحوار والفعالية الثقافية، وربطت بين الكتاب والجمهور، في محاولة لاعادة بناء العلاقة بين الثقافة والمدينة بعد سنوات من الانقطاع.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours