أربيل شقيقة النجف

نستلهم من المفكر عبد الحسين شعبان فلسفة الحوار والتعايش

بوتان تحسين

مدير مؤسسة كوردستان كرونيكال الثقافية

السادة الحضور الكرام،  

تحية طيبة وبعد،  

بدايةً، أتوجه ببالغ الامتنان والتقدير لمدينة النجف الأشرف، التي تشرفتُ بزيارتها للمرة الثالثة، لِما تمثله من عمقٍ ثقافي وتاريخي وإنساني، ليس في وجدان أبنائها فحسب، بل في قلوب المثقفين والكورد على وجه الخصوص. ولا يسعني إلا أن أتوقف أمام عِظَمِ هذه المدينة التي أصبحت محطةً للتواصل الفكري والثقافي بين مكونات العراق المتنوعة.  

إن احتفاء أربيل قبل ثلاثة أشهر، واحتفاء النجف اليوم بالمفكر الاستاذ عبد الحسين شعبان، ليس حدثاً عابراً، بل دليلٌ على تقاطع القيم بين المدينتين العريقتين: قيم الوفاء والتقدير للرموز الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الفكر والإنسانية. فالمدينتان – رغم التباعد الجغرافي – تجسدان روحاً واحدة في مقاومة الاستبداد، وتحملان إرثاً مشتركاً من الصمود ضد نظام البعث الدكتاتوري، حتى أصبحتا رمزين للثقافة والسياحة وملاذاً لأصحاب الرأي الحر.  

ولعلَّ النجف، بالنسبة للكورد، ليست مجرد مدينة، بل هي جزء من ذاكرتهم الجمعية. فهنا التقى الإرث الثقافي الكوردي بإرث الجواهري الشعري، حيث استلهم الكُتّاب والشعراء الكورد من محمد مهدي الجواهري قيمَ الحرية والكبرياء، تماماً كما نستلهم اليوم من عبد الحسين شعبان فلسفةَ الحوار والتعايش.  

لا أنسى أن أتحدث عن جانبٍ شخصي يربطني بالنجف وباقي مدن الجنوب، فقد اضطرت عائلتي – كغيرها من العوائل الكوردية – إلى النزوح قسراً إثر اتفاقية الجزائر المشؤومة عام 1975، والتي حوّلت حياة الآلاف إلى رحلة معاناة. لكنَّ القدرةَ على تحويل المحنة إلى منحة كانت سمة مجتمعنا، حيث تحوّلت تلك المحنة إلى نسيج اجتماعي متين بين الكورد والعرب، أثمر تلاحماً إنسانياً لا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم. فخمسة من أفراد عائلتي وُلدوا في محافظات الجنوب، وظلّت ذكريات التعايش مع العوائل العربية جزءاً من حكايتنا، قبل أن تُقطَع تلك الصلة عام 1988 بإجرام الأنفال، الذي أودى بحياة والدي وأزهق أرواح الأبرياء.  

هنا يأتي دور مؤسستنا (كوردستان كرونيكل)، التي تتخذ من أربيل مقراً رئيسياً، وتسعى جاهدةً لإحياء الذاكرة المشتركة بين مكونات العراق، عبر تسليط الضوء على نقاط التلاقي الثقافية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، أطلقت مؤسستنا مجلة (كوردستان بالعربي) الشهرية، التي تعنى بإبراز الجوامع الإنسانية بين الكورد والعرب، وتوثيق صفحات الماضي المشترك، واستشراف مستقبل التعايش من خلال قصص الفنّ والإبداع والمواقف الإنسانية.  

وفي إطار تعزيز هذا الحوار، بادرت مؤسستنا، بالتعاون مع المفكر عبد الحسين شعبان وفريقها الاستشاري، إلى تأسيس منتدى الحوار الإقليمي، الذي يهدف إلى جمع الأكاديميين والمفكرين من خلفيات عربية وكوردية وتركية وفارسية، لتعزيز لغة الحكمة في ظلّ تحديات المنطقة. وقد اختار الأستاذ شعبان شعاراً للمنتدى يجسد رؤيتنا جميعاً: (تعظيم الجوامع وتقليص الفوارق .(

ختاماً، أرى أن توأمة أربيل والنجف في مشاريع كهذه ليست خياراً فحسب، بل ضرورة تاريخية. فكما تزامنت مواسم الازدهار بين المدينتين في الماضي، نأمل أن يتزامن مستقبلهما في بناء جسورٍ يعبرها الجميع نحو غدٍ أفضل.  

شكراً لاستماعكم ووقتكم،

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours