د. علي حسن الفواز
كاتب وناقد – رئيس اتحاد الكتّاب والأدباء في العراق
تبرز اهمية أنموذج المثقف النقدي من خلال مواجهته التاريخ، وانماط الهيمنة، وعلى النحو الذييجعل من السؤال النقدي هو الخيار المسؤول عن تأطير هذه المواجهة، وعن إدراك تأثيرها في فعلالتغيير، وفي اثراء أدوات المراجعة والمساءلة..
عضوية هذا المثقف تتبدى من خلال ما يختاره من مواقف، ومن أفكار تخصّ إدارة السياسات، وعلاقتها بالمشغل الثقافي، بوصف أن الثقافة تتكامل مع السياسة، ومع تحرير العقل الثقافي من بعض سرديات التاريخ، ومن اكراهات الدوغمائية، مقابل النزوع الى تجديد آليات الخطاب، على مستوى وظيفته في المراجعة النقدية، أو على مستوى علاقته بوعي المتغيرات، والبحث عن أفق مغاير للتجاوز، وللانخراط في العمل الثقافي بوصفه مجالا نقديا، وبناء مؤسساتيا، ورهانا على تغذية تحليل الخطاب بأفكار جديدة، وبمنهجية تستجيب لقيم الحداثة، ولدور المثقف في تقعيد هذه القيم في البرامج والمشاريع والستراتيجيات الثقافية…
عبد الحسين شعبان من أكثر مثقفينا اهتماما بمرجعية السؤال النقدي، وعلاقته بالعمران المؤسسي، وبأطروحات تجديد وظائف المثقف “العضوي، و”النقدي” وربما بمراجعة التاريخ ذاته، إذ أدرك مبكرا أهمية جعل هذا السؤال مدخلا لنقد ظواهر السياسة والاجتماع والايديولوجيا، وعلى نحوٍيكون فيه امام تحديات واقعية، ليست بعيدة عن السياسة، ولا عن مجالاتها الساخنة، ولا عن مايخص مراجعاتها الحقوقية وعلاقاتها الدولية، والأعراف التي تكرست عبرها في التشريعات الدولية ومؤسساتها العامة، وما شرعنته من اتفاقيات والتزامات..
المشروع “الجيوحقوقي” للباحث عبد الحسين شعبان لا ينفصل عن مشروعه الثقافي، ولا عن منهجيته في التعاطي مع مفاهيم التنوير والإصلاحفي الجغرافيا السياسية والثقافية، إذ تأخذ الفكرة الحقوقية مداها الأوسع في العمل الثقافي، بوصف أن الثقافة هنا هي المجال الانثربولوجي المفتوح الذي تتحرك فيه القيم والتقاليد والأعراف والأفكار، وعبر برامج تهدف الى ربط الحقوق بالتنمية البشرية، وبصيانة هوية الانسان في المجتمع، عبر صيانة وجوده وحرياته وافكاره، مثلما هو العمل على ربط الثقافة بالتنمية المستدامة بوصفها مجالا لديمومة توليد الأفكار والثروات، والانخراط في المستقبل، لأن من اكثر مهام الثقافة فاعلية هي صيانة مستقبل الانسان..
المثقف ورهانات المعرفة.
التفكير بالمعرفة لا يعني الاكتفاء بأدلجتها، وتحويلها الى مجال ضيق في اختبار المناهج، بقدر ما يعني العمل النقدي على تقويض المركزيات التي تحكمت بتلك المعرفة، وتعرية ما هو زائف فيها، وباتجاه جعلها قوة نقدية فاعلة، تتجاوز ما هو نمطي وتقليدي وسطحي، وهذا ما اعطى لمشروع عبد الحسين شعبان النقدي حافزا دائبا في المراجعة، وفي إعادة النظر بمفهوم النقد المعرفي، على مستوى صياغته النسقية، ووظيفته في النظرية الثورية، وعلى مستوى علاقته بنقد الأفكار والسياسات، فضلا عن ما يتعلق بعلاقة ذلك بالحقوق، وما تنطوي عليه من التزامات تجعل من مفهوم “النقد المعرفي” خيارا لنقد ما هو زائف، وما هو رجعي، وكل ما له علاقة بالسرديات الكبرى التي تكرست مع الاستبداد، ومع النظم الديكتاتورية، والتي عملت طوال عقود على تكريس اشكال معقدة للاستبداد المعرفي، عبر استبداد الأيديولوجيا والمعسكر والزعيم والطائفة..
إن تحرير المعرفة، يربط بتحرير العقل السياسي أولا، والعقل الحقوقي ثانيا، والعقل الثقافي ثالثا، ليشكّل هذا الثالوث مجالا يتسع لمراجعة مفهومية حقيقية وفاعلة، تخص تشوهات علاقة السلطة بالمعرفة، والتاريخ بالمعرفة، والايديولوجيا بالمعرفة، وباتجاه يضعها في سياق شمولية المراجعة النقدية، بما فيها مراجعة ظواهر الاستبداد والإرهاب والعنف السياسي، ومراجعة سيرة الدولة المستبدة، دولة المركزيات التي عاش العراق عسكرتها وادلجتها منذ عام 1963، إذ كرست هذه الظواهر أنماطا قهرية للغلو “المعرفي” في خرافاته واساطيره، وفي تمثلات سياقاته الدينية والقومية واليسارية المتطرفة، وصولا الى تفشي مظاهر الغلو الشعبوي..
لم ينفصل تجديد الأفكار في مشروع عبد الحسين شعبان عن نظرته النقدية، ولا عن وعيه النقدي، إذ ظل التلازم هو الرابط الديناميكي بين تلك الأفكار، وبين مجالاتها التطبيقية، سواء في مجال المعرفة الثقافية، أو مجال الدرس الاكاديمي والبحث العلمي، أو مجال النشاط الحقوقي والإنساني، وما يتعلق بقضايا القانون الدولي، وعمل المنظمات الدولية، وبما ينعكس منها على القضايا الكبرى التي اهتم به الدكتور شعبان مثل القضية الفلسطينية، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة عنصرية، فضلا عن دعمه وتبنيه لسياسة اللاعنف، والحقوق الثقافية للمكونات القومية، وقضايا المرأة وحقوقها المدنية، وتوسيع افاق عمل المجتمع المدني الثقافية والتنموية والحقوقية…
شعبان والمشروع الادبي..
صورة المثقف النقدي، هو المجال الاجرائي الذي جسّد مشروع شعبان الثقافي، في تمظهراته المعرفية والأدبية، فكانت كتابته ” جواهر الجواهري” عن الشاعر “الجواهري” مثالا للغوص في أعماق الظاهرة الأدبية العراقية عبر رمزيتها الكبيرة، وعلاقة هذه الرمزية بتاريخ العراق السياسي والثقافي، بوصف الجواهري شاهدا كبيرا عن تحولات الخطاب الثقافي، وعلى تمثيله لمظاهر الصراع والتظاهر والاحتجاج والتحرر، وهذا ما أعطت لمنهجية شعبان النقدية مجالا للتعرف على خفايا هذه الظاهرة، من خلال سياقاتها الثقافية والسياسية، ومن خلال علاقتها مع السلطة والاجتماع، كما أن كتابته عن الشاعر مظفر النواب كان رحلة في “رمزية البنفسج” ودلالته الجمالية والنقدية، إذ تمثل تجربة النواب عمقا ثوريا ومعرفيا ونقديا لصورة الشاعر الذي عاش اغتراب الهوية والذات، فكانت لغته هي التعويض والاحتواء والاشباع، في استدراك الغائب من الفكرة الثورية، ومن الموقف الثوري والإنساني الذي اقترن برمزية الرفض والاحتجاج، والشغف بالحرية وروح البطل الذي اعطى لفكرة “الثورة” عمقا تاريخيا ورمزيا من خلال صورة البطل الشعبي والثائر الحالم بعالم اجمل..
تدخل قراءات شعبان للظاهرة الثقافية الأدبية في سياق فاعلية مشروع المثقف النقدي، الذي يجد في عالم الادب آفاقا رحبة لسيرورة اللغة، ولخطابها في إعطاء الصورة الأدبية زخما جماليا ومعرفيا، قد تدخل في مجال الدراسات الثقافية، وما يتبدى منها من أفكار ومقاربات تتعالق مع حلم الانسان بالحرية، وفي التعبير عن ذاته المستلبة، وما تواجهه من مظاهر اغترابية للاستعمار، وللقهر الاجتماعي والسياسي والنفسي، ولدورها في تجسد قوة النضال الإنساني وهو يجد في اللغة وسيلة ناجعة للتعبير عن مخاضات وعيه الثوري، وشغفه بالأفكار وهي تتجاوز سكونها ورثاثة تاريخها…
وحتى كتابه “على ضفاف السخرية الحزينة” عن الصحفي شمران الياسري لا يخرج عن استدعاء ما يخص فاعلية الأفكار، التي تجد قوتها حاضرة عبر رمزية الخطاب المتمرد الذي يصنعه المثقف/ الكاتب، والذي كان شمران الياسري/ أبو كاطع انموذجهالطليعي، فلغته الساخرة، وخياله السردي وواقعيته النقدية الهمت شعبان شغف الكتابة عنه، بوصفه مثالا للمثقف الملتزم الذي يدرك أهمية اللغة في تمثيل حمولتها الشعبية، وحساسيتها اللاذعة لتكون باعثة على استثارة الرأي العام، وعلى تقويض السائد الثقافي، وهذا ما جعل الياسري عرضة لمواقف سياسية صعبة، فأعماله الروائية متمثلة “بالرباعية”: “الزناد وبلابوش دنيا وغنم الشيوخ وفلوس حميّد” أو “قضية حمزة الخلف” تحولت الى ما يشبه ايقونة في السرد العراقي، على مستوى حيويتها الواقعية، أو على مستوى تعريتها لقسوة الاقطاع والصراع الطبقي والاجتماعي والسياسي، وهي ليست بعيدة عن هوية عموده الصحفي الساخر “بصراحة أبو كاطع” الذي استبطن النقد الساخر لما هو سياسي واجتماعي، عبر لغته البسيطة والواضحة، وعلى نحو جعل من قراءة شعبان لظاهرة الياسري تتقصى أهمية الأثر الثقافي في صياغة الوعي، وفي أن تكون فاعلية الخطاب الادبي والصحفي بمستوى الأهمية التي تسهم في صناعة الرأي العام والوعي العام…
——-
– الكلمة التي ألقاها الأستاذ علي الفواز في تكريم د. شعبان في مضيف آل سميسم في النجف في 5 آذار / مارس 2025.
+ There are no comments
Add yours