دراسة تحليلية في مسيرته الفكرية ومواقفه الحقوقية والإنسانية
ملخص البحث: يتناول هذا البحث شخصية الدكتور عبد الحسين شعبان بوصفه أحد أبرز المفكرين العرب المعاصرين الذين جمعوا بين المعرفة الأكاديمية العميقة والنشاط الحقوقي والالتزام الإنساني بقضايا الحرية والعدالة. يتم تسليط الضوء على مسيرته العلمية والفكرية، ومساهماته في الدفاع عن حقوق الإنسان، وكذلك مواقفه النقدية تجاه الأنظمة السلطوية والفكر الشمولي. كما يُحلل البحث كيف جسّد شعبان صورة المفكر الحر، الذي لا ينتمي إلا إلى ضميره الحي ومبادئه الأخلاقية.
مقدمة: في المشهد الثقافي والسياسي العربي، برز عدد من المفكرين الذين تمسكوا بمواقفهم المستقلة ورفضوا الاصطفاف مع القوى السلطوية أو الإيديولوجيات المغلقة. ومن بين هؤلاء يبرز الدكتور عبد الحسين شعبان بوصفه أنموذجاً نادراً للمثقف الحر، الذي ظل ملتزماً بقيم الحرية وحقوق الإنسان، من دون أن يفقد استقلاليته الفكرية أو يخضع لإغراءات السلطة أو الترهيب الفكري. ويشكل هذا البحث محاولة لفهم طبيعة هذا النموذج، وتحليل مسيرته في ضوء السياقات الفكرية والسياسية التي عاشها.
أولاً: السيرة الذاتية والعلمية
وُلد الدكتور عبد الحسين شعبان في العراق عام 1945، ونال شهاداته العليا في القانون والعلوم السياسية من جامعة تشارلز في براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا السابقة (جمهورية التشيك حالياً). حصل على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي، وكانت أطروحته حول موضوع “الأسس القانونية لحقوق الأقليات في القانون الدولي”، وهو ما شكّل نواة اهتمامه المبكر بحقوق الإنسان. عمل أستاذاً جامعياً في عدد من الجامعات العربية والدولية، وكان باحثاً ومحاضراً زائراً في العديد من المراكز الفكرية والحقوقية، من أبرزها معهد السلام في جامعة برادفورد البريطانية.
ثانياً: الفكر الحر ومفهومه لدى عبد الحسين شعبان
في كتاباته ومحاضراته، يرفض عبد الحسين شعبان اختزال المثقف في خانة الأيديولوجيا أو التبعية السياسية. فالمثقف، حسب رؤيته، لا بد أن يكون ضميراً حياً للأمة، ناقداً للسلطة، ومدافعاً عن الإنسان كقيمة عليا. يُعرّف المفكر الحر بأنه ذلك الذي “يرى بعين العقل، ويتخذ موقفاً نقدياً إزاء الواقع، من دون أن يسقط في شرك التبعية أو الانغلاق العقائدي”. وقد تناول في كتبه مثل “المثقف المقهور والمثقف المغلوب”، و”من هو المثقف؟” مفاهيم الحرية والاستقلالية الفكرية، مشدداً على أن الحرية تبدأ من تحرير الذات من الخوف.
ثالثاً: عبد الحسين شعبان وحقوق الإنسان
يُعدّ الدكتور عبد الحسين شعبان من الأسماء البارزة في الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم العربي، حيث ساهم في تأسيس عدد من المنظمات الحقوقية، منها المنظمة العربية لحقوق الإنسان، والمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة. كما عمل خبيراً دولياً في قضايا العدالة الانتقالية وشارك في صياغة عدد من الوثائق الحقوقية الإقليمية. وفي مؤلفاته مثل “حقوق الإنسان: الأسس الفكرية والشرعية” و”الإسلام وحقوق الإنسان”، دعا إلى مصالحة بين المرجعية الحقوقية العالمية والقيم الثقافية المحلية، مؤكداً على أن حقوق الإنسان لا يمكن تجزئتها أو تسييسها.
رابعاً: مواقفه من السلطة والطائفية والانقسامات
كان الدكتور عبد الحسين شعبان من أوائل الأصوات التي حذرت من الانقسام الطائفي في العراق بعد عام 2003، ورفض الانخراط في مشروع المحاصصة الطائفية. كما عبّر عن مواقف نقدية شجاعة تجاه السلطات المتعاقبة، سواء في عهد النظام السابق أو بعد الاحتلال الأميركي. في كتابه “عام التنابذ الطائفي”، حلل بتفصيل العوامل البنيوية والسياسية التي أدت إلى تفكك الدولة الوطنية، محذراً من الوقوع في فخ الطائفية السياسية والتخندقالهوياتي، ومطالباً ببناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.
خامساً: كتاباته وإرثه الفكري
ألف الدكتور شعبان أكثر من 30 كتاباً تناولت موضوعات متعددة مثل القانون الدولي، الفكر السياسي، حقوق الإنسان، القضايا العربية، والمثقف والسلطة. ومن أبرز مؤلفاته: – تحطيم المرايا: في الماركسية والاختلاف – فلسطين: الدولة والمشروع – جدل الهوية والمواطنة – الإسلام السياسي: الدين والتوظيف السياسي في هذه الأعمال، لا يقدم تنظيرات مجردة فقط، بل يعكس تجربة حية في الاشتباك مع الواقع، بلغة رشيقة ومواقف نقدية واضحة، وهو ما جعله محل تقدير في الأوساط الفكرية والحقوقية العربية والدولية.
الخاتمة: إن الدكتور عبد الحسين شعبان يمثّل أنموذجاً نادراً للمفكر الحر في العالم العربي، ذلك الذي لم يساوم على مبادئه، ولم يتخل عن دوره في فضح الظلم والدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية. لقد جمع بين الفكر والعمل، وبين القانون والضمير، وبين الوطنية والإنسانية، فاستحق أن يُحتفى به لا كمفكر فقط، بل كضمير حي لعصر مأزوم.
—— المصادر والمراجع: 1. عبد الحسين شعبان، حقوق الإنسان: الأسس الفكرية والشرعية، دار الطليعة، بيروت، 2004. 2. عبد الحسين شعبان، عام التنابذ الطائفي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009. 3. عبد الحسين شعبان، الإسلام وحقوق الإنسان: تأصيل وتجديد، دار الفارابي، بيروت، 2006. 4. عبد الحسين شعبان، تحطيم المرايا، دار الفارابي، بيروت، 2011. 5. مقابلات وحوارات منشورة مع الدكتور عبد الحسين شعبان في صحيفة “الشرق الأوسط”، “المدى”، و”العربي الجديد“. 6. مداخلات الدكتور شعبان في عدد من المؤتمرات الحقوقية والفكرية العربية. 7. موقع المنظمة العربية لحقوق الإنسان: www.aohr.org.eg
+ There are no comments
Add yours