بقلم/ حسن عبدالحميد
سقى اللّه دوحَ الغوطتيّن ولا أرتوتْ
من الموصل الحدباء إلأ قبورها
-أبو تمّام-
أتوسمهُا توطئة؛
لطالما خالجني بيت شعر ” أبو تمام”هذا، كلّما هممتُ بالكتابة عن عمل إبداعي أو جرى تفحّص نّص شعري يكاد يقترب أو يتحاذى ممّا تعرّضت إليه الموصل -بالتحديد- بعد احتلالها الداعشي الهمجي البغيض،ثم ما تلا ذلك من عمليات تحرير وتطهير فلول،وإعادة أعمار،وغيرها من تركات عجاف السنوات التي عانى بها ومنها أبناء “أم الربيعين”،أو كما يتقاسى على تأسيتها بتسّميتها ” أم الرُعبين “،من كان يدرك حجم هول ما دَرجت عليه وأستشاطت غضباً وحزناً مُدقعاً جرّاء هضم ضيم ،وتجرّع مذاقات ظلم مُضاعف وشدائد شتى ومكابدات تلد أخرى ،تلك المدينة الصخريّة الضاربة عُمقاً في ثنايا ونسيج التأريخ الحيّ،والتي يطلق عليها الباحث والمفكر الكبير د.عبدالحسين شعبان ؛”وجه العراق الناصع”.
ها هُنا.. يتجارى عندي تلّمس خيوط ذِكر وإستشرافات ذلك البيب الممتدّ على نحو ما يزيد عن أكثر من ألف عام ونيف،بفعل وقول ما ورد على لسان شاعرنا الألمعي ،المتجددّ “أبو تمّام” المتوفي في رحاب الموصل عام/845 ميلادي،ليضيء ويلمع ثانيةً،مع ما بِتنا نتلمس ونتحسّس مجسات وأنفاس أبطال رواية “دياجير الموصل” للكاتبة الشابة “مها الفارس” الصادرة عن دار الحكمة لندن-بغداد أيلول/2024،عبر تباريات شروعً يشي بخلاصات تحّدٍ واضح،مشفوعٍ بجهد عناد راجح ومُجدي،خاضت من خلاله هذه المهندسة في مجال تقنيات الحاسوب غمار تجربتها الأولى في سوالك الرواية وتعرجات طرقها الوعرة والمحفوفة بشتى مخالب النقد،وجوافل التقييمات الجاهزة والتقليديّة،بعد إثابة محاولات جديّة،حريصة ومختلفة في نهج تطلعاتها بكتابة القصة القصيرة،وعلى نحوٍ متميّز، وسعي حفولها بجوائز محليّة وعربية في هذا المضمار،قبل صدور هذه الرواية المهمة و الضخمة من حيث عدد صفحاتها التي بلغت ال486 صفحة من القطع المتوسط،فضلاً عن واقع وأثر مضمونها الإنساني،المتدفق على منوال ثلاثة أقسام خلت من أي عنوان فرعي لمجمل ما حوت من فجائع لوقائع وأحداث عاشتها وأرشفتها على شكل وهيئة يوميات أندسّت هكذا في دفتر خاص ل”ماريا”بطلة الرواية الأولى والمثلى بهذا العمل الشاق والمضني من حيث دقة الوصف وجدارة الرصف، مروراً وتمهيدا ًعاماً لأعوام الاحتلال الامريكي البغيض نيسان /2003،وصولاً لدخول الدواعش إلى موصل حزيران/ 2014،ثم حلم إنتظار طلائع وجوامع تحريرها -كاملةً- من براثن هؤلاء الأوغاد- الأشرار ما بين تشرين أول/2016 وتموز/2017 .
السرد المُسهب
——————-
أي بما يُعادل أو يواز عُمر الرواية،التي شاء وأن تمخضّت مسارات السرد فيها من خلال تبنّي “ماريا” الطالبة في كلية الهندسة بجامعة الموصل توثيق تلك الفترة الحرجة والمفصليّة من حياة حاضر الموصل -حينذاك-
،وربما الراهن -أيضاً- عبر مسلسلات أوجاع ومكابدات ماضها القريب على نحو ومنحى ما توارد وتمرآى في أقسام هذه الرواية التي أرى فيها كل ما يميزها عن غيرها من الأعمال التي تناولت هذه الحقبة الدموية الشاخصة في ذاكرة وكيان أي موصلي من الناجين من هذه.
تكمن سمات وخواص التميّز في أنساق ومسارات ومدارات “دياجير الموصل”،في أحاسيس وخلجات ومشاعر من ينوء بحمل دواعي ذلك السرد المُسهب والمقصود -في ظني- للحدّ الذي يفيض وينسكب حول أدق،أدق تفاصل،التفاصيل للحوارات والتعليقات الدائرة ما بين أفراد العائلة المحورية بهذا العمل ومن بعض الزائرين لها-رغم قلتهم، وقرب بيوت بعضهم لبعض-،في مختلف ظروف الحياة التي يعيشون ويتحملّون ذلك الضنك اليومي والخشية من كل شيء يسكن بهذه المدينة،بما فيها موضوعة المأكل والطريقة التي يتميّز بها المطبخ والطعام الموصلي.
ولعل كل ذلك يعود -بطبيعة الحال- إلى براعة الجهد وكثافة التدقيق الحاذق والمُلّح في توثيق مجريات تفاصيله،
وبما قد يصل عندي البعض حدّ الشعور بنوع من الملل،لكن قدرات السرد ونقاوة صفاء الكلمات ونصوع اللغة،أثرى -كثيراً- وأفاض أفاض بالكشف عن مقادير حرص وصبر لا يُضاهى وحمية مطاولة قلّ نظيرها في تبني سرد ما أحتاجت إليه الساردة “ماريا”
بيت العائلة
—————-
في إستيضاح ممكنات ما متوفر ومتاح من أجواء وحوارات وسجالات نشأت وجرت تتحدّث عن نفسها وتدور في كنف ذلك البيت الذي تعيش فيه عائلة ماريا المتكونة من أب متقاعد،ولكنه يبدو ميسور الحال،مثقف وملتزم،يتصف بالحكمة والتروي ورجاحة العقل،وثبات الموقف،وأم منحدرة من عائلة موصليّة -هي الأخرى- تتصف بالغنى والجاه وقوة الشخصية،وأخ يُدعى “أمجد” طالب في المرحلة الاخيرة من دراسته للهندسة،ومغرم بقراءة الكتب والمطالعة،مثلما هو مغرم ومأخوذٌ،ولهان بحُبّ طالبة مسيحية تُدعى ” نادين” تدرس معه في الكلية،وتعيش خارج الموصل في بعشيقة،بيد أن أم أمجد ما أنفكت تقف حائلاً دون إتمام قصّة هذا الحُبّ الطاهر المتبادل بأن يتكلّل بالزواج، تحت ذريعة ومبررات معلنة تتمركز حول أختلاف الديانة،فيما الدافع المخفي الذي تتأبط به وتراهن عليه هذه الأم القوية،يكمن في رغبتها تزويج أبنها من “علياء” أبنة أخيها “شكري”
العميد بالجيش السابق.
وما مدعاة هذا التمهيد والتعريف المختصر،المقنن والمتقن لملاك هذه العائلة،كونها تأتت بمثابة مصغرأو تخطيط أولي “ماكيت” أو”أسكيتش” لما هو حاصل في العديد من بيوتات و أماكن الموصل،مع فرض قائمة الإختلافات الواردة ما بين من رضي وتتدعى أمام مبايعة ما تُدعى “الدولة الاسلامية”
،على الاقل في السنة أو الاشهر الأولى لوباء ولوثة إحتلالهم من قبل الدواعش،و ما بين من أستياء ورفض وجودهم جملةً وتفصيلاً،وأنكفأ على نفسه،محتميا ببيته وبعض أقاربهم وأصدقائه،كما هي عائلة ماريا التي راحت ترسمه يومياتها في دفترها-الوثيقة،بعد قرارها الوارد بالنصّ على ص140 من الرواية حيث تفيد ماريا قائلة؛ “ساد صمت الموصل لبعض لحظات بيننا حتى أدركته،وقلت الكلام الذي خاطرني وراود أفكاري في هذه اللحظات العصيبة التي تلفنا،والذي شعرت أنه يستحق أن يكون موضوع ليوميات روايتي”.
ثم لا تنسى بأن تضيف لقولها ؛
“الرواية : -أظن الازمنة الرمادية قد أبتدأت، قلتُ بينما كان أبي قد نهض مجيباً على هاتفه.

+ There are no comments
Add yours