
أ.د. أحمد عبد المجيد
معهد العلمين للدراسات العليا
قبل ان ارتبط بعلاقة صداقة متينة بالمفكر والباحث البارز عبد الحسين شعبان ، تعرفت على نتاجه الفكري المتنوع والنوعي . وخلال رحلة طويلة امضيتها في مطالعة ابداعه المقالي، شخصت عندي جملة من الخصائص التي تطبع مقالاته المنشورة في الصحافة ، ولاسيما في جريدتي (الخليج) و (الزمان) . وكنت اقتطعها لاجعلها درساً تدريبياً لطلبتي في كلية الاعلام بجامعة بغداد ، حيث درست (فن المقال الصحفي) طيلة نحو عقد ونصف عقد من الزمان .
ولدي اسبابي التي جعلتني اضع مقالات الأستاذ شعبان درساً في محاضراتي ، فهي :
1- نماذجية ، بمعنى انها تصلح ان تكون انموذجيات فريدة في ترسيخ المادة النظرية بحيث تنتقل الى ممارسة قابلة للتطبيق ، وهي الحالة التي يجب ان يحرص الاكاديميون على اشاعتها بين الطلبة بما يفتح امامهم مغاليق فن المقال ، بوصفه اصعب فنون الصحافة المعروفة وارفعها .
2- انها تحتوي على طاقة إيجابية كامنة بحيث تجعل الدرس الاكاديمي حيوياً تفاعلياً غير رتيب ، بحيث يسري وقته ناشراً الشغف ، الذي هو عماد نجاح المواهب التي تتفتح بالفرص المتاحة وتنمو بالممارسات اليومية ، حتى تغدو أسماء معروفة او مشهورة ، ثم تتقدم فتغدو في صلب اهتمام الرأي العام .
3- ان اللغة المكتوبة بها مقالات الأستاذ شعبان بلاغية ، لكنها تندرج تحت مسمى السهل الممتنع ، وتلك صيغة لا تتوافر الا لكاتب محيط باسرار اللغة ومستوعب لطرق إيصال معطياتها ومعجمها باعتبارها وعاءً وبوصفها طريقة للتفاهم والتواصل البشري . وكنت كاستاذ يتحمل مسؤولية البحث عن افضل الطرق التدريسية لايصال درسه الاكاديمي ، احرص على الدفع باتجاه امساك الطلبة بمفردات (اللغة الثالثة) ، او لغة الصحافة التي هي لغة وسط ، ليست علمية معقدة وصعبة بالنسبة لغير أصحاب الاختصاص ، مثلما هي ليست أدبية تنطوي على استخدامات بلاغية وتحمل على جناحيها خيالاً ومحسنات بديعية .
وقد أوضح الاستاذ شعبان أهمية هذه الصنعة أمام طلبة المرحلة الثالثة بكلية الاعلام بجامعة بغداد عندما استضفته للحديث عن تجربته المقالية، وهو تقليد حرصت على ترسيخه منذ العام 2001، بهدف اغناء الدرس الاكاديمي.
لكل ذلك اخترت مقالات الأستاذ شعبان ، لبسط الدرس بشأن المقال الصحفي ، امام طلبتي . وساعدتني هذه المقالات على جبهة الممارسة الصحفية اليومية، في إيصال جزء او معظم سياسة الجريدة باعتبار المقال الأداة الأكثر أهمية ، التي تعبر عن هذه السياسة او عن آراء كتابها في الاحداث اليومية الجارية وفي القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي او الدولي . ويقوم المقال الصحفي بهذه الوظيفة من خلال شرح وتفسير الاحداث الجارية والتعليق عليها ، بما يكشف عن ابعادها ودلالاتها المختلفة (1).
وعبر متابعة أسبوعية ، تقريباً ، حرص الأستاذ شعبان على ان تتصف مقالاته بالاتي :
1- تقديم متابعات تشكل ، مع بقية كتاب الجريدة ،عقلها بحيث يجعل الجريدة قريبة من الانسان ، الذي ميزه الخالق الكريم بالعقل ، وبحسب الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ، فان افضل الناس عند الله من احيا عقله وأمات شهوته واتعب نفسه لصلاح آخرته . ورأيت ان الأستاذ شعبان اتعب نفسه لصلاح امته منذ ان شب في مدارس مدينة النجف المقدسة والعائلة التي تولت سدانة الروضة الحيدرية فيها .
واذا أجرينا تحليلاً علمياً لمحتوى مقالات الأستاذ شعبان ، فان باقة منها فقط تكشف جملة من الاهتمامات والخصائص المتميزة التي يتفرد بها أسلوبه من جهة ، ورؤاه الفكرية التي تنعكس على شرح الاحداث الجارية وتفسيرها وبلوغ فكرة جديدة او تصوراً مبتكراً او رؤية غير مطروقة يمكن ان تشكل بحد ذاتها قضية تشغل الرأي العام ، ولاسيما اذا كانت تمس مصالح القراء او تثير اهتمامهم لاي سبب من الأسباب. جدير بالإشارة ان هذه الباقة من المقالات تشمل الدفعة الأخيرة من نتاجه المقالي في الصحيفتين المذكورتين غداة توقفه عن نشر المقالات وانصرافه الى مشاريع بحثية مؤجلة .
2- تكمن خصوصية اختيارات الأستاذ شعبان للموضوعات في دفاعها عن الانسان وحقوقه الأساسية ، التي وردت في المواثيق الدولية والدساتير الوطنية . وقد وجدت في استخدام أسلوب او طريقة تحليل المضمون ، وهو احد أدوات المنهج العلمي في الدراسات الإعلامية ، وافضل ما يمكنني التقاطه من فئات الاختيارات :
1- الانشغال بالهويات والدعوة الى الهوية العامة لتفادي تحديات الهويات الفرعية بوصفها عوامل تفرقة واختلاف ، ويمكن رصد رؤى الأستاذ شعبان بشأنها في مقاله (الهوية بين النظرة التفريقية والمساواتية) .
2- دحض المزاعم السياسية لبعض المثقفين الغربيين ، وقد تجسدت في رؤاه كمن خلال عدم ادانة هذا البعض لإسرائيل والابتعاد عن المعايير الإنسانية والانحياز الاعمى لممارساتها ازاء الشعب الفلسطيني . وقد تجلى هذا الطرح في مقالاته عن غزة ولاسيما اختياره لعنوان خاص عنها عبر البورصة . وقد بلغ اهتمام الأستاذ شعبان بموضوع محنة غزة التي دخلت حرب الإبادة عليها شهرها التاسع الان ، انه عدها الجرح النازف الذي تسبب في آثار سلبية على حرية التعبير والفكر ، وادى الى اندلاع حرب اكاديمية ، وانطلق في رسم صورة هذا المشهد خارج حدود الدمار اليومي ، مستعيناً بقصيدة مشهورة لشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري (أتعلم ام انت لا تعلم بان جراح الضحايا فم) . فتولى الأستاذ شعبان فتح هذه الجراح ورسم امامها طريق التعبير عن الألم والموت والابادة .
وثمة خصوصية أخرى تكمن في اختيارات الأستاذ شعبان المقالية ، هي إضفاء اللمسة الإنسانية ، لكن برفدها بوقائع شخصية ونقل الخاص الى العام . ويمكن تلمس ذلك في مقالته النابضة بالحنين والوجع الوطني (احن الى خبز امي) . وقد استعار عنوانها من مطلع قصيدة للشاعر الراحل محمود درويش . وفي مقدمة هذا المقال الذي يقدم فيه درساً في البناء الفني للمقال شرح الأستاذ شعبان قصة لقائه بدرويش ورحلة ذكرياته المفعمة بالشوق في دمشق ولندن . ولا يكتفي الأستاذ شعبان بالشواهد الشعرية ، حسب ، بل كثيراً ما تخلل تحليلاته اقوال مأثورة او آراء حصيفة لكبار الفلاسفة ، والعرب أمثال الفارابي وابن سينا والأجانب كافلاطون وارسطو ، فهو يغرف من ابن عربي وابن رشد وابن خلدون وعلي الوردي ، فضلا عن الحكماء الروس والامريكان لتعزيز حضور الاعتدال والوسطية والموعظة الحسنة ، بما يضاعف الاقناع في منهجه ويجعل الطريق الى الحق سالكاً بكثرة ، وهو لا يتوانى عن تنويع اقتباساته لتشمل مآثر في ادبيات عالمية ، فيأخذ احسن القول من البريطانيين وليام شكسبير وتشارلز ديكينز والإيطالي امبرتو ايكو ليؤكد ان (العلاقات الدولية تكثفت في اخر نصف قرن واصبح لدى كل باحث علاقات صداقة مباشرة مع عدد من الشخصيات يفوق ما كان في السابق بكثير)(2).
ومن منطلق نزعة وطنية صادقة يدعو الأستاذ شعبان في مقال آخر النخب الثقافية المدنية والدينية الى حوار يشمل اتباع الأديان ، ولا سيما المسلمين والمسيحيين ، وهؤلاء لديهم منزلة عليا في ضمير الأستاذ شعبان ، فالمسلمون يمثلون الأرض التي انحدر منها حيث مدينة النجف الاشرف التي تضم رفات اشجع الصحابة واولهم في الإسلام ، الامام علي بن ابي طالب ، والمسيحيون الذين ارتبط معهم بعلاقات ود واحترام وتفاهم حضاري، بحيث خصهم بكتابه ذائع الصيت (اغصان الكرمة .. المسيحيون العرب) . وقد استمتعت جداً وانا اطالع هذا المقال المنشور في (الزمان) تحت عنوان (شركاء في الوطن ومشاركون باتخاذ القرار) . وعندي ان الأستاذ شعبان واحد من اهم الكتاب العرب الذين يحسنون صياغة العناوين المقالية . وهي مهمة شاقة تحتاج الى مهارات إضافية . وانا من اشد الصحفيين الاكاديميين ، الذين يلزمون أي كاتب بوضع عنوان مناسب لمقالاته ، انسجاماً مع حقيقة ان العنوان هو قسم لا يتجزأ من اقسام البناء الفني ، وارى ان العنوان الناجح ينطوي على الخصائص التالية :
1- التعبير عن المحتوى .
2- التكثيف .
3- قليل من الاثارة .
وبالنسبة للبناء الفني للمحتوى الصحفي يحتاج المدونون او المحررون او الكتاب عموماً ، الى كفاية لازمة وبناء خاص في التأهل المهني لاستيعاب قواعد اختيار العنوان والتعرف على وظائفه السايكولوجية والاتصالية (3) وبعض لوازمه السيميائية .
وينضاف الى هذا الاتجاه ، الذي ابدع فيه الأستاذ شعبان ، عنوانان استوقفاني وانا انجز هذه الدراسة ، اخضع باقة من المقال الى التحليل أولها (عن ظاهرة الترامبية) ، وهي ظاهرة خطيرة في الفضاء السياسي الدولي بحكم انطوائها على مفاهيم شعبوية واتساع امتدادها المكاني تمهيداً لاستوائها على دسة الحكم . واما العنوان الثاني فهو (11 سبتمبر الروسية) ، وينطوي على استعارة دموية مع مقاربة نفهم منها انتقامية الدور وصدامية القوة ، التي تمثلت بعدد من العمليات الإرهابية التي تلجأ الى الضرب العشوائي العابر للحدود . وبكلمات مصاغة بعيار الذهب ، يقدم الأستاذ شعبان خلاصة او خلاصاً لما يجب ان يفعله العالم لمواجهة هذا النوع من العنف الدموي وذلك بسد (الثقب الأسود وفهم طبيعة الحركات الإرهابية وتفكيك منطلقاتها الفكرية) .
ان الطبيعة الإنسانية للأستاذ شعبان ، كمفكر ذي خلفية يسارية ، تجعله يكتفي بالحل السلمي، المتمثل بتفكيك الفكر ومقارعة الحجة بالحجة وصولاً الى ثقافة تنأى بنفسها عن تدمير المجتمعات واهدار طاقاتها ومواردها والتفريط بفرص تقدمها وتنمية بلدانها . وجدير بالذكر ان الأستاذ شعبان ، مساعد خفي لادارات التحرير في الصحف التي تحظى بنشر مقالاته ، لان القائم في الاتصال داخل هيكل إدارة التحرير لا يحتاج الى جهود مضنية احياناً ، لمراجعة المقال او كشف ملابساته او نزع الألغام منه ، مثلما لا يحتاج الى نباهة او انتباه لتصحيح بعض مفرداته واخطائه النحوية ، فهو يأتي متكاملا مكملاً . ويترجم خطوات تحرير المقال من حيث الاعداد وتنظيم المادة واهم معالمها والكتابة والمراجعة ، وفي كل خطوة من هذه الخطوات معالم (4) .
وخلال جمع البيانات اللازمة لتحليل مقالاته ، رصدت نمطاً جديداً من الكتابة المقالية للأستاذ شعبان ترجمها في مقدمة كتبها الى كتاب الناشطة السعودية عالية فريد ، وفيه سمات مقال صحفي ، لكنه مبني بناءً لافتاً ، فهو لا يخضع لقواعد التقسيم الدارجة التي يشترك فيها المقال مع البحث العلمي والمتمثل في العنوان والمقدمة والمتن (الجسم) والخاتمة (الخلاصة) ، بل يطيح بالهرم المعتدل بحيث يبدو هرماً مقلوباً ، وهي عملية لا يحسن تشييدها الا ذو مراس وقدرة عميقة واقتدار نوعي .
وكرس الاستاذ شعبان هذا النوع المتميز من المقالات ذات النزعة السردية، في سلسلة نشرها في جريدة (الزمان) بعنوان انطولوجيا المثقفين العراقيين والعرب، وتضمنت تحليلاً معمقاً لمسيرة واعمال عدد من الادباء العراقيين كالجواهري ومظفر النواب ومصطفى جمال الدين وعبد الامير الحصيري، وقد أصدر كتاباً تضمن انطولوجيا المثقفين العرب كجورج حبش وغيره، الى جانب نحو 48 شخصية من طلائع المثقفين.
ذات مرة سألني احد طلابي : هل يمكن ان نقلب بناء المقال ؟ فأجبته ، بعد تأمل ، يجوز ذلك اذا توافر الكاتب المقالي المقتدر والكفء . وها انا اكتشفه في شخص الأستاذ شعبان ، المقالي البارز والمفكر الكبير والمثقف العضوي على حد وصف الفيلسوف الإيطالي غرامشي .
الهوامش
1- أحمد عبد المجيد – محاضرات في فن المقال الصحفي لطلبة المرحلة الثالثة – كلية الاعلام – جامعة بغداد -2014 .
2- امبرتو ايكو – وقائع مجتمع سائل – ترجمة معاوية عبد المجيد – بغداد : دار المدى – 2023 – ص326 .
3- احمد عبد المجيد – العنوان ووظيفته المعرفية – تجليات في الكشف عن المحتوى وتسويقه – مجلة الكاتب العربي – العدد 93 سبتمبر/أيلول 2016 – ص123 .
4- للمزيد عن ذلك راجع :
د. سليمان موسى فضالة – فن المقال الصحفي – عمان : دار أسامة للنشر والتوزيع ونبلاء ناشرون – 2015 – ص68-71 .





+ There are no comments
Add yours