مكتبة نمتار الذكيه / أياد القيسي
ترجمة / عبد الرحيم حزل

مقدمة
يقدّم آلان تورين في «نهاية المجتمعات» عملاً فكريًا استثنائيًا يُعدّ ذروة مشروعه السوسيولوجي الممتد لأكثر من نصف قرن. هنا لا يكتفي تورين بتشخيص أزمة المجتمع الحديث، بل يعلن بجرأة أنّ النموذج الاجتماعي الذي حكم تفكيرنا منذ القرن التاسع عشر قد وصل إلى نهايته.
في عالم تهشّمت فيه الروابط الجماعية، وتراجعت فيه فاعلية الدول، وتقدّمت الفردية إلى مركز المشهد، يرى تورين أنّ المستقبل لن يُبنى على «المجتمع» بوصفه كتلة متجانسة، بل على الذات الفاعلة التي تبحث عن المعنى، وتطالب بالحقوق، وتخوض مواجهتها الخاصة مع الأنظمة والمؤسسات.

إنه كتاب يستهدف القارئ العربي الباحث عن أدوات لفهم تحوّلات زمننا: من تآكل البنى الجماعية، إلى صعود الهويات، إلى عودة الذات كفاعل مركزي في السياسة والثقافة.
وبذلك يصبح «نهاية المجتمعات» مفتاحًا لقراءة القرن الحادي والعشرين، وواحدًا من أكثر أعمال تورين عمقًا وتأثيرًا.
الفكرة المركزية
يقدّم ألان تورين أطروحة جذرية مفادها أنّ المجتمعات، بمعناها الكلاسيكي كنسيج من العلاقات والتمثيلات والمؤسسات، قد وصلت إلى نهايتها. لم يعد “المجتمع” إطارًا يفسّر أفعال الأفراد، بل أصبح هؤلاء الأفراد يتصرّفون خارج الصيغ الاجتماعية التقليدية، في عالم تحكمه الأنظمة التقنية، والعولمة، وتفتت الروابط الجماعية.
في المقابل، يؤكد تورين أنّ الذات الفاعلة (le sujet) أصبحت المرجع البديل: فالأفراد لا يُشكَّلون من قبل المجتمع، بل هم الذين يصنعون ذواتهم، ويبحثون عن المعنى، ويطالبون بالحقوق، ويقاومون الأنظمة من موقع استقلاليتهم الفردية.
المحاور الأساسية
الجزء الأول: نهاية العالم الاجتماعي
1 .القطيعة بين الأنظمة والفاعلين
تُفتَّت البنى الاجتماعية التقليدية (الدولة القومية، الطبقات، الجماعات المهنية)، فيما تزداد سيطرة الأنظمة التقنية–الاقتصادية. يعيش الفرد حالة انفصال: النظام يعمل من فوق، والأفراد يتحركون من تحت، بلا لغة مشتركة.
2 . فاعلون غير اجتماعيين
الفرد اليوم لا يتحرّك داخل أطر اجتماعية منظمة، بل داخل شبكات، هويات مرنة، جماعات ضبابية، وفضاءات افتراضية. يتحول الفعل من “اجتماعي” إلى “ثقافي–هوياتي”.
3 . فكر الحاضر
لم تعد السوسيولوجيا قادرة على تفسير العالم عبر “المجتمع”. يحلّ محلها فكر اللحظة، أي تحليل الظواهر عبر الذات، المعنى، الحقوق، والاختيارات الفردية.
الجزء الثاني: من الذات إلى الفاعلين
المقدّمة: صعود الفاعل
ينتقل تورين من تحليل المجتمع إلى تحليل الذات، باعتبارها المحور الجديد لفهم العالم.
1 . العصر ما بعد الاجتماعي
نعيش انتقالًا تاريخيًا: من مجتمع يحدّد الأدوار إلى عالم يتحدد فيه كل شيء عبر الخيارات الذاتية.
2 . وعي الذات
الذات الفاعلة ليست مجرد فرد؛ إنها وعي بالحرية، بالكرامة، وبالحق في صياغة المعنى.
3 . فعل الذات
الفاعل الجديد يمارس المقاومة اليومية عبر الحقوق، الاستهلاك، الممارسات الثقافية، والاختيار الأخلاقي. الفعل هنا ليس ثوريًا بل تراكميًا.
4 . هل الذات البشرية امرأة؟
يعتبر تورين أن مسار الحداثة يبرز القيم الأنثوية (العلاقات، الرعاية، التواصل)، بوصفها بديلاً عن أنماط السيطرة الذكورية (العنف، السلطة العمودية).
5 . الآخرون
انفتاح الذات على “الآخر” يصير شرطًا لفعلها. الصراعات الجديدة ليست طبقية بل هويّاتية.
6 . التذويت ونزع التذويت
عملية بناء الذات تصطدم بقوى إفقاد الذات معناها: السوق، الإعلام، النزعات الشمولية.
7 . من الذات إلى الممارسات
القيم تصبح ممارسات يومية: تربية، استهلاك، حركات اجتماعية صغيرة، دفاع عن الحقوق الثقافية.
- من الذات إلى الأخلاق
الذات الحديثة تخلق معيارها الأخلاقي الخاص، خارج الأطر الدينية والاجتماعية التقليدية.
الجزء الثالث: الحداثة والحداثات
1 . الحداثة والحداثات
يُميّز تورين بين الحداثة كتحرّر للذات والحداثات كعمليات تحديث تقنية واقتصادية قد تخنق الذات.
2 . تراجع الهيمنة الغربية
انهيار المركزية الغربية ينتج نظامًا عالميًا متعدد الأقطاب، لكنه يزيد الفوضى أيضًا
3 .عندما يدمّر المحدثون الحداثة
العولمة النيوليبرالية تقوّض الحرية التي جاءت بها الحداثة، لأنها تُنتج نظامًا بلا فاعلين.
4 . متساوون ومختلفون
الديمقراطية الثقافية تصبح مركزية: كيف نوفّق بين المساواة القانونية والاختلافات الثقافية؟
5 . الذات والدين
الدين يعود كفضاء معنى، لا كتنظيم اجتماعي. الذات تبحث عن روحانية لا عن مؤسسات.
6 . هل يمكن أن يوجد فاعلون اجتماعيون بعد الآن؟
ربما، لكن بشرط أن يكونوا فاعلين-ذوات لا انعكاسًا لمجتمع لم يعُد موجودًا
المغزى الفكري:
يريد تورين أن يقول إن السوسيولوجيا يجب أن تتحوّل من دراسة “المجتمع” إلى دراسة “الذات”، لأن:
المجتمع تفكّك ولم يعد إطارًا للتمثيل…
الفاعل الفردي أصبح مركز الفعل…
الصراعات أصبحت ثقافية–هوياتيّة لا اجتماعية–طبقية…
الحرية تُمارس في الحياة اليومية أكثر مما تُمارَس في السياسة..
إنه انتقال من سوسيولوجيا البُنى إلى سوسيولوجيا الذات الحرة..
نبذة عن المؤلف:
ألان تورين (1925–2022) سوسيولوجي فرنسي بارز، وأحد أهم منظّري الحركات الاجتماعية في القرن العشرين.
ولد في 3 أغسطس 1925، وهو فرنسي الجنسية.
أثر كثيرًا في علم الاجتماع عبر أعماله حول الحداثة، الحركات العمالية، والذات الفاعلة. يمثّل كتاب نهاية المجتمعات ذروة مشروعه الفكري.
خلاصة نهائية:
يرسم تورين صورة عالم جديد من دون مجتمع، لكنه ليس عالمًا بلا معنى. فبينما تتفكك البُنى الاجتماعية، تظهر الذات الفاعلة كمرجع جديد، تحاول الدفاع عن قيم الحرية والكرامة في عالم تسوده الأنظمة التقنية والعولمة. الكتاب دعوة لإعادة بناء السوسيولوجيا حول الإنسان كذات، لا حول “المجتمع” الذي لم يعد قادرًا على تفسير عصرنا.

+ There are no comments
Add yours