حقيبة مغترب…شرُّ البليّة ما يُضحك

نمتار / فائق العبودي

الأمس كان يومًا محملًا بالأخبار غير السارّة، فقد اتصل بي ابني الأصغر لؤي، ليخبرني أنه أُدخل إلى المستشفى بصورة عاجلة لإجراء عملية استئصال المرارة.

انطلقتُ بسرعة إلى مدينة جنيف حيث المشفى، وكان ابني الأكبر ليث يرافقني. هناك التقيت ببعض أصدقاء لؤي الذين كانوا معه منذ دخوله للمشفى، وأخذوا يروون لي ما حدث بينهم وبين الممرضة، التي طلبت منهم مغادرة المكان بسبب الضحك المتواصل… ميزة العراقيين حين يجتمعون، حتى المرض لا يستطيع أن يمنعهم من السخرية والضحك.

قلت لهم:

بصراحة، أنا أتفق مع الممرضة. الناس هنا تتألم، وأنتم حولتم المستشفى إلى جلسة ضحك، كانت تنقصكم الأرجيلة لتكتمل.

فضحكوا وقالوا:

اسمع الحكاية أولًا… وحاول ألّا تضحك..

يا سيدي:  ثلاثة أصدقاء على متن رحلة جوية من أوروبا إلى أفريقيا؛ اثنان عراقيان، وصديقنا الثالث موريتاني. رحلة طويلة، لا تخلو من التعب والملل، تناولوا الطعام والشراب والأحاديث والمشاكسات، وغلبهم النعاس أحيانًا، فقط لتمضية الساعات المملة.

وفجأة سمعوا صوت المضيفة على مكبرات الصوت:

” لدينا حالة طارئة، سيدة مسنّة أُغمي عليها، هل يوجد طبيب بين المسافرين؟”

في تلك اللحظة نهض العراقي الشهم بسرعة أمام استغراب أصحابه ، وضع سبابة يده اليمنى أمام شفتيه طالبًا منهم الصمت وتقدّم بكل ثقة قائلًا:

أين الحالة؟

والكارثة أنه ليس طبيبًا ولا يمتّ للطب بصلة. اختصاصه الهندسة.

سألته المضيفة: هل أنت طبيب؟

لم يجب على سؤالها، بل رد عليها بسؤال: أين الحالة؟

لم تدخل بتحقيق معه.. قادته إلى امرأة ثمانينية كانت ممددة في ممر الطائرة، طلب فورًا بعض قطع الثلج، فوضعها في كفّ المرأة وعلى جبينها، ثم بدأ يتصرّف وكأنه في غرفة طوارئ حقيقية.

وفجأة امتدت يد من خلفه تحمل حبّة “فيتامين سي ” مع صوت: تفضل دكتور:

التفت إليه وسأله بجدية:

هل أنت دكتور؟

أجاب الرجل:لا

فأجاب العراقي بكل ثقة:

إذن تفضل… اجلس في مكانك! واطلب لك كأسًا من الماء لتأخذ هذه الحبة

تقهقر الرجل إلى الخلف.

وبعد دقائق ظهرت شابة تحمل جهازًا لقياس الضغط، وكانت طبيبة حقيقية بالفعل، لكنه طلب من المضيفة أن تُبعدها عنه، وكأن الأمر أصبح تحت سيطرته الكاملة.

بعد أن ذابت حبات الثلج.. انحنى قرب أذن المرأة، وأخذ يهمس ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.كرر الآية أكثر من مرة، بهدوء وطمأنينة، ففتحت المرأة عينيها.. وبدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا

رمشت بهدوء، وهو ما زال يقرأ لها الآية

ثم سألها:

هل تشعرين بتحسن؟

قالت بصوت ضعيف:نعم

فابتسم مطمئنًا: عظيم، لا تقلقي، ستكونين بخير

وظل يهدّئ من روعها، ثم أوصاها أن ترتاح، وإن بقي التعب ملازمًا لها، فعليها أن تراجع طبيبًا.

وبقدرة قادر، استعادت المرأة وعيها كاملًا.. وأخذت مكانها على الكرسي… وهنا أعلنت المضيفة: طاقم الطائرة يقدم الشكر للدكتور لمساعدته العظيمة.

صفق الجميع طويلًا وبحرارة إلا أصحابه.. تصفيق بارد.. مجبرين عليه.. مع سباب.. وعفاط خفيف لا يتعدى مسامع المنقذ العظيم.

قال له أحدهم: هل جننت؟ لماذا خاطرت بحياة العجوز؟

قال لهم بكل ثقة: حسبتها سريعًا، الباقي لرحلتنا عشرون دقيقة فقط للهبوط… سأجرب.. ماذا سيحدث؟

وزادوا في لومه على هذا التصرف غير المسؤول فقال:

اصمتوا.. وسوف أعترف لكم بالحقيقة، كان حلمي وأنا صغير أن أصبح طبيبًا، وأن أكون برحلة جوية ويُطلب مني إنقاذ حياة امرأة جميلة على متن الرحلة وأنجح بإنقاذها.. وتبدأ قصة حب.. تنتهي بالزواج.ولم أتمكن من دراسة الطب لأحقق هذا الحلم.. واليوم جاءت الفرصة.. لكن ليس كما تخيلتها بطفولتي، مع ذلك قررت أن أستثمرها، في الآخر، لماذا أنتم زعلانين؟..نجحت…. والتصفيق الذي شاركتكم فيه كان لي، لنجاحي يا معتوهين..لا دواء لا سماعة فحص فقط ببعضٍ من قطع الثلج،

تأكدوا لو حصل الآن إغماء لأحدكم.. سوف أغير طريقة العلاج.. وأطلب الماء الحار لأصلي به وجوهكم حتى ينتزع منها هذا الحقد اللعين.

ولو انتبهنا لكل تفاصيل هذه الواقعة.. هو لم يقل إنه دكتور… نعم لم يصرح بذلك

كي لا يتحمل المسؤولية إذا حصل شيء للمرأة، لعبها صح أبو الثلج والجميع صار يناديه دكتور.. إلا أصحابه ودُوّنت الواقعة في سجلات الرحلة… وذاكرة جميع المسافرين..

وستبقى القصة عالقة في حكايات هذه العجوز، التي حققت له جزءًا من أحلام الطفولة..

ولله في خلقه شؤون

دمتم بكل الخير..

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours