مكتبة نمتار الذكية / أياد القيسي
شرارة الشك الأولى في عقل أكثر الشعراء العرب إرباكاً للأجيال.. الرجل الذي أعمى بصره الجدري وأضاء عقله الألم وكتب على قبره اعترافاً بأبشع جريمة لم يرتكبها.

قبل أن يموت أبو العلاء المعري طلب أن يُكتب على قبره:
“هذا جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحد.”
جملة واحدة تُلخّص فلسفة حياة. الجناية التي يتحدث عنها هي الولادة. أن أباه أنجبه دون أن يستأذنه وأنه هو لم يُنجب أحداً لأنه لن يرتكب نفس الجريمة.
هذا الرجل كتب “سقط الزند” وهو شاب. قبل العزلة وقبل “اللزوميات” وقبل “رسالة الغفران.” كتبه وهو لا يزال يمدح ويهجو ويتقرب من الأمراء ويأمل أن يعيش من شعره.
لكن من يقرأ “سقط الزند” بعين مُتأمّلة يرى أن الشك كان هناك منذ البداية. كامناً خلف المدائح. مختبئاً في ثنايا الرثاء. يُطلّ ثم يختفي. ثم يعود.

وُلد أحمد بن عبد الله التنوخي المعري عام 973 ميلادياً في مدينة معرة النعمان بسوريا من أسرة من العلماء و وسط ثقافي محترم وبداية لطيفة لم تدم.
في الرابعة من عمره أُصيب بالجدري. وفقد بصره إلى الأبد وهنا يتشابه المعري مع طه حسين في هذه اللحظة بالذات: طفل في الرابعة يفقد ما لن يعود. والعالم يصير ظلاماً دائماً.
كتب الشعر وعمره أحد عشر عاماً. وحفظ ما لا يُحصى من الشعر العربي القديم. وفي شبابه رحل إلى حلب وبغداد يبحث عن الشهرة والمكانة.في بغداد لم يجد ما أمّل. مرض. ضاق به الحال. وعاد إلى معرة النعمان. وأعلن ما أصبح يُعرف بـ”الحبس الثالث”: حبس الجسد في البيت. وقضى بقية حياته لا يخرج. يُؤلّف ويُملي ويُفكّر.
مات عام 1057 ميلادياً وعمره أربعة وثمانون عاماً
المعري يُسمّي ديوانه الأول بهذا الاسم وكأنه يقول: هذا ليس النار الكاملة. هذه الشرارة الأولى. الكلمات ستأتي بعدها أو لن تأتي. لكن الشرارة نفسها كانت، وهذا التواضع الشكلي الذي يبدو في الاسم يخفي شيئاً آخر: إدراكاً مبكراً بأن ما يحمله أكبر من أن يُقال كله دفعةً واحدة.
“سقط الزند” مجموعة قصائد كتبها المعري في شبابه. بعضها مدائح. وبعضها رثاء. وبعضها فخر ووصف.
لكن من يُعيد قراءته يكتشف أن المدح يحمل سخرية. والرثاء يتحول إلى سؤال وجودي. والفخر يُخفي شكاً.
القصيدة التي تبدو مديحاً لأمير تحمل في طياتها نقداً مُبطّناً لثقافة المال والكسب، والقصيدة التي تبدو رثاءً لشخص تحمل أسئلة عن العدل الإلهي
هذا ما يجعل الديوان صعباً على قراءة واحدة. ولهذا اختلف النقاد: هل هو شعر تقليدي ممتاز؟ أم هو ديوان مُشفَّر يخاطب من يعرف كيف يقرأ؟
والجواب ربما: كلاهما. وهذه هي عبقريته
المدح الذي ليس مدحاً
أبي العلاء كتب مدائح كثيرة. مدح الأمراء والوزراء كما كان يفعل شعراء عصره لأن الشاعر في ذلك الزمن إن لم يمدح لا يأكل،لكن مدائحه تختلف في شيء خفي
مدائح المعري كثيراً ما يجد فيها القارئ ما يشبه المسافة. مسافة بين الشاعر وما يقول. كأن هناك صوتاً داخلياً يقول “أقول هذا لأنني مضطر لقوله لا لأنني أُؤمن به”..
وهذا ليس ادعاءً. المعري نفسه في كتاباته اللاحقة انتقد ثقافة التكسب بالشعر ورأى فيها خيانة للشعر والشاعر معاً. والبذرة كانت هناك في “سقط الزند”..
الرثاء الذي يُصبح سؤالاً
في رثائه أحياناً يتحول الحزن الفردي إلى سؤال أكبر. لماذا الموت هكذا؟ لماذا يُفقد من يستحق البقاء؟ ما الحكمة في كل هذا؟
وهذه الأسئلة لا تُطرح بشكل صريح في “سقط الزند.” تُطرح عبر الصورة الشعرية. عبر الاختيار. عبر ما يقوله الشاعر وما يُغفله في نفس الوقت
هذا النوع من الرثاء لا يُعزّي. يُقلق. ويُشعرك أن من كتبه لم يكن راضياً عن الإجابات الجاهزة التي يُقدّمها المجتمع للموت والفقد.
الزهد المبكر: شيخ في جسد شاب
من اللافت في “سقط الزند” أن ثمة نبرة زهدية مبكرة.الشاعر الذي كتبه شاب لا يزال في مقتبل العمر. لكن في بعض قصائده صوت إنسان رأى الدنيا وأعرض عنها. يصف متاعها بلغة من لم يُقنع بها. ويصف ملذاتها بطريقة من يراها وهماً
وهذا كان بذرة لما صار لاحقاً فلسفة كاملة. المعري في اللزوميات سيقول صراحة ما أشار إليه هنا بخجل. الحياة ثقيلة. والدنيا لا تستحق التهافت عليها. والأفضل عدم الإضافة إلى سجنها بإنجاب أطفال جدد.
أبيات تحمل أكثر مما تُعلن
الأبيات التي نجت من الديوان تُلمح إلى كل هذ:
“ولما رأيتُ الجهلَ في الناس فاشياً
تجاهلتُ حتى قيل إنني جاهل”
هذا البيت يحتمل قراءتين. قراءة أولى: الشاعر يرى أن التظاهر بالجهل طريقة للنجاة في مجتمع يُعاقب على الحكمة. وقراءة ثانية أعمق: أن الجهل المُنتشر جعله يتساءل عما إذا كانت “الحكمة” التي يحملها هي فعلاً حكمة.
“فوا عجباً كم يدَّعي الفضلَ ناقصٌ
ووا أسفاً كم يُظهر النقصَ فاضلُ”
بيت يقوله كثير من الناس ويُصفّقون له. لكن في سياق المعري هو نقد بنيوي للمجتمع الذي يُكرّم العلامات لا المضامين. ويُقدّر الشكل على الجوهر.
السياق الذي أنجب الديوان
القرن العاشر الميلادي كان زمن الأسئلة الكبرى في العالم الإسلامي. الخلافة العباسية تنهار ببطء. البويهيون يُديرون بغداد والخليفة دمية. إخوان الصفا يكتبون رسائلهم السرية يخلطون فيها الفلسفة بالدين. والفارابي ثم ابن سينا يبنيان نظاماً فلسفياً يُحاول الجمع بين أرسطو والإسلام.
في هذا المناخ كتب المعري ديوانه الأول. ومن في هذا المناخ لا يتأثر بأسئلته؟ الشعر لم يكن بريئاً من الأسئلة الفلسفية. والفلسفة كانت تتسرّب إلى الشعر بطرق لا تُراقَب بسهولة.
ما بين سطور المعري
الديوان يحمل رسائل لم تُصرَّح بها. الأولى هو أن المدح مُهين لمن يكتبه لا فقط لمن يستحقه بأقل مما قيل. المعري كان يعرف أنه أكبر من أن يُقضي وقته في تلميع صور الأمراء. وكتابته المدائح كانت تُكلّفه شيئاً من كرامته. وهذا التكلّف يُستشعر في بعض قصائده كتوتر خفي لا يقوله. الثانية هو أن الأسئلة الوجودية الكبرى لا تُقال في مجتمع محافظ إلا بلغة الرمز. والمعري أتقن هذه اللغة في “سقط الزند.” تعلّم كيف يقول دون أن يُدان. وكيف يُومئ دون أن يُصرّح. وهذا ما جعل بعض النقاد يقرؤون الديوان كشعر تقليدي وبعضهم يقرؤونه كوثيقة فكرية.الثالثة هو أن الكفّ البصري الذي حمله المعري طوال حياته لم يكن عائقاً فحسب. كان مصدراً لنوع خاص من الرؤية. رؤية من لا يرى الأشياء كما تظهر. فيُضطر للسؤال عما تعنيه.
المعري ثلاثة أشخاص في شخص واحد
لفهم “سقط الزند” لا بد من فهم أن المعري لم يكن شاعراً فحسب. كان ثلاثة في واحد. الأول شاعر بديع يُتقن الوزن والقافية والصورة البلاغية. هذا الشاعر يكتب مدائح وأوصافاً ورثاءً بلغة تُدهش. الثاني فيلسوف يتساءل ولا يهدأ. يرى في كل ظاهرة سؤالاً. وفي كل مُسلَّمة شكاً. والثالث إنسان كفيف يعيش في جسد هشّ في مجتمع يحتاج فيه المرء كل أيامه إلى عون الآخرين. وهذا الإنسان يحمل مرارة حقيقية لا يخفيها كلياً.
في “سقط الزند” الثلاثة يتحدثون أحياناً بصوت واحد وأحياناً يتقاطعون ويتناقضون. وهذا التعقيد هو ما يجعل قراءة الديوان تجربة لا تنتهي بقراءة واحدة.
الخاتمة: الشرارة التي لم تنطفئ
أبي العلاء المعري سمّى ديوانه الأول “سقط الزند” وكأنه يقول إنه شيء متواضع. شرارة صغيرة ستسقط وتنطفئ.لكنها لم تنطفئ.
الأن السؤال لك انت
المعري في ‘سقط الزند’ يُخفي شكوكه خلف مدائح وأوزان تقليدية خشية عصره. لكن ألا يُثير هذا سؤالاً أعمق: هل الشاعر الذي يُخفي حقيقته ليبقى حراً هو أكثر صدقاً من الشاعر الذي يُصرّح بكل شيء ويُعاقَب؟ وبعبارة أخرى، “هل التورية الفكرية خيانة للحقيقة أم أذكى طرق الدفاع عنها؟”.

+ There are no comments
Add yours