ما تبقى من ذاكرة ذاك الزمن

 

نمتار / علاء الدين مكي خماس*

نحن جيل بغداد الذي لا يتكرر

يسمّوننا اليوم «كبار السن»… ونحن نبتسم؛ لأننا نعرف أننا لسنا مجرد أعمار مضت، بل أبناء جيل عراقي استثنائي، وُلد في زمن مختلف، وعاش من التحولات ما يكفي لملء أكثر من حياة.

نحن أبناء الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؛ جيل بغداد والمحلات القديمة، جيل البيوت التي كانت أبوابها مفتوحة، والجيران الذين يعرف بعضهم أخبار بعض، ويتقاسمون الأفراح والأحزان و«صينية الأكل» قبل أن يعرف العالم معنى التواصل الاجتماعي.

كبرنا في بغداد حين كانت الحياة أبسط، والقلوب أهدأ، والعلاقات أثمن من الأشياء. كانت للمحلة هيبتها، وللجار حقه، وللكبير مقامه، وللمعلم احترام لا يحتاج إلى قانون يفرضه.

كنا نمشي إلى مدارسنا في حر بغداد اللاهب، وفي برد الشتاء ومطره، نحمل حقائبنا ودفاترنا وأقلام الرصاص، ولا نعرف شيئاً اسمه «التوصيل إلى باب المدرسة». كنا نحفظ الدرس من أوله إلى آخره، ونقف أمام السبورة نحل المسائل والقلوب تدق، فإن أخطأنا تعلمنا، وإن أصبنا عدنا إلى مقاعدنا وكأننا حققنا فتحاً عظيماً.

ومن منا لا يتذكر ذلك الفخر العجيب عندما يطلب منه المعلم أن يحمل سجل الحضور أو يوصل الطباشير إلى صف آخر؟ كنا ندخل الصف المجاور بوقار مبعوث رسمي، نشعر أن المدرسة كلها أصبحت تحت مسؤوليتنا.

لم تكن هواتفنا في جيوبنا، ولا كانت أمهاتنا وآباؤنا يكتبون واجباتنا أو يتصلون بالمدرس عند كل ملاحظة. كانوا يحبوننا، لكنهم علمونا أن نقف على أقدامنا، وأن نتحمل نتيجة أفعالنا، وأن نعتذر عندما نخطئ، ونحاول مرة أخرى عندما نفشل.

نحن الجيل الذي لعب في أزقة بغداد من دون خوف؛ لعبنا الدعبل، والمحيبس، والطوبة، والاختفاء، وركبنا الدراجات في الشوارع الترابية وبين البيوت. كانت أمهاتنا يناديننا عند الغروب من أبواب المنازل، فنعود متعبين، مغبرين، لكن سعداء كأن الدنيا كلها كانت ملك أيدينا.

نمنا في «الحوش» وعلى سطوح البيوت في ليالي الصيف، خصوصاً عندما تنقطع الكهرباء، فنتسامر ونضحك ونراقب النجوم، ونسمع أصوات الجيران من السطوح القريبة. لم تكن العتمة تخيفنا؛ لأنها كانت تجمعنا. وكان نسيم الليل البغدادي، على قلته، كافياً ليمنحنا راحة لا تمنحها اليوم أحدث أجهزة التبريد.

شربنا الماء من الحب، وانتظرنا صمون الحجر ساخناً من الفرن، وعرفنا رائحة الشاي المخدر على نار هادئة. كنا إذا وجدنا قطعة خبز على الأرض نرفعها، نقبلها ونضعها على جباهنا احتراماً للنعمة. لم يكن ذلك فقراً، بل تربيةً وامتناناً لما بين أيدينا.

كنا نقف للكبير في باص المصلحة، ونفسح الطريق للمرأة، ونخفض أصواتنا أمام آبائنا، ونحسب ألف حساب لكلمة المعلم. احترمنا الجار ورجل الأمن وعامل النظافة وبائع المحلة، لأن الناس عندنا كانت تُقاس بأخلاقها، لا بما تملكه ولا بما تعرضه أمام الآخرين.

عشنا زمناً كانت فيه بغداد تعرف صوت الراديو في الصباح، ونشرات الأخبار في موعدها، وصوت أم كلثوم يملأ البيت والشارع في ليالي الخميس. تابعنا مباريات كرة القدم عبر المذياع، فكنا نرسم الملعب في خيالنا من حماسة المعلق، ثم جاء التلفزيون الأبيض والأسود، فجلس أهل البيت والجيران أمام شاشة واحدة، قبل أن يدخل اللون إلى حياتنا وتتكاثر القنوات والشاشات.

عرفنا شارع الرشيد وهو يحتفظ بهيبته، وشارع المتنبي برائحة كتبه، وأبو نؤاس وليالي دجلة، ودور السينما ومحلات الأسطوانات وأشرطة الكاسيت. كنا ننتظر أغنية نحبها ساعات حتى نسجلها من الراديو، فإذا تكلم المذيع في آخرها شعرنا أن مشروعاً وطنياً قد فشل.

كتبنا الرسائل بخط اليد، وانتظرنا جوابها أياماً وربما أسابيع. عرفنا الهواتف الثابتة، والاتصالات التي تمر عبر موظف البدالة، ثم رأينا الهاتف يدخل السيارة والجيب، حتى أصبحنا اليوم نرى أبناءنا وأحفادنا بالصوت والصورة، ولو كانوا في آخر الدنيا.

نحن الجيل الذي وُلد في عالم تناظري، ثم دخل العالم الرقمي من أوسع أبوابه. انتقلنا من الأسطوانة والكاسيت والفيديو إلى الأقراص المدمجة، ثم إلى الإنترنت وواتساب ويوتيوب ومنصات البث. عرفنا البطاقات المثقبة والحواسيب الأولى والأقراص المرنة، وها نحن اليوم نحمل في هاتف صغير مكتبات وصوراً وخرائط وذكريات عمر كامل.

عشنا في قرنين وألفيتين، ومررنا بسبعة عقود مختلفة. شهدنا الحروب والحصار والاضطرابات، وودعنا أحبة وأصدقاء وبيوتاً وشوارع كانت جزءاً من أرواحنا. سافر بعضنا بعيداً، وبقي بعضنا في العراق، لكن بغداد ظلت تسكننا جميعاً؛ في اللهجة، وفي الذكريات، وفي رائحة الخبز والشاي، وفي أسماء المحلات والأصدقاء الذين فرقتهم الأيام.

لم تكن حياتنا كلها سهلة أو مثالية، فقد حمل جيلنا أعباءً ثقيلة، وعاش أحداثاً كان يكفي الواحد منها لتغيير عمر كامل. ومع ذلك، بقينا نضحك، ونتزوج، ونربي أبناءنا، ونبني بيوتنا، ونعمل، ونسافر، ونبدأ من جديد كلما أغلقت الحياة باباً في وجوهنا.

وما يميز جيلنا ليس فقط أنه شاهد هذه الثورة الهائلة، بل أنه تعلم كيف يتغير من دون أن يتخلى عن أصله. دخلنا العالم الرقمي، لكننا ما زلنا نؤمن بأن الزيارة أدفأ من الرسالة، وأن الجلوس مع الأحبة أجمل من مكالمة الفيديو، وأن كلمة «تفضل» من باب البيت لا تعوضها ألف إشارة إعجاب على شاشة.

واليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة، نتعلم درساً جديداً علّمنا إياه العمر: أن الوقت لا ينتظر أحداً.

تنظر إلى الساعة فتجدها السادسة مساءً، ثم تلتفت فتجد الأسبوع قد مضى. ينتهي الشهر، ثم السنة، وفجأة تكتشف أن خمسين أو ستين أو سبعين عاماً مرت كأنها حلم قصير. تبحث عن بعض الوجوه فلا تجدها، وتمر من شارع قديم فلا تعرفه، وتحن إلى بيت لم يعد موجوداً، وإلى صوت أب أو أم تتمنى لو تسمعه مرة أخرى لذلك، لم نعد في عمر التأجيل.

لا تؤجل زيارة عزيز، ولا اتصالاً بصديق قديم، ولا كلمة محبة لأبنائك وأحفادك. لا تحتفظ بالعتاب أكثر مما يستحق، ولا تجعل الكبرياء يحرمك من مصالحة قلب تحبه. سامح، وتواصل، واضحك، واجلس مع من تحب؛ فالأبناء يكبرون، والأصدقاء يتناقصون، والأيام تمضي أسرع مما نتصور.

يسمّوننا «كبار السن»، لكننا في الحقيقة كبار بالتجربة، أغنياء بالذكريات، وأقوياء بما تجاوزناه. نحن جيل عرف البساطة قبل أن تزدحم الحياة، وعرف قيمة الناس قبل أن تقيسهم الشاشات، وعاش الزمن الجميل رغم قسوته، وحافظ على إنسانيته وسط عالم تغير كله.

تحية محبة واعتزاز إلى أبناء جيلنا في بغداد وكل العراق؛ إلى من حملوا في قلوبهم صور المحلة والمدرسة والسطح ودجلة والأصدقاء القدامى..

طبتم وطابت أوقاتكم بالخير والعافية..

فالوقت لا يعود أبداً، واليوم هو يومنا، ولم نعد في عمر التأجيل

*لواء ركن متقاعد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours