ماذا يعني أن تكون الدولة غير محترمة؟ العراق أنموذجا

نمتار / جورج منصور

ليست هيبة الدولة شعاراً يُرفع في المناسبات الرسمية، ولا تُقاس بعدد الجنود، أو حجم الموازنات، أو كثرة المباني الحكومية، ولا حتى بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو احتياطيات مالية أو موقع جغرافي متميز. فهذه جميعها عناصر قوة مادية قد تمنح الدولة قدرة على التأثير، لكنها لا تمنحها بالضرورة الاحترام.

إن الدولة المحترمة هي الدولة التي يحترمها مواطنوها أولاً، ثم يحترمها العالم لأنها تحترم القانون قبل أن تطالب الآخرين باحترامه، وتصون حقوق الإنسان، وتفي بالتزاماتها، وتحمي المال العام، وتفرض سلطتها بعدالة على الجميع دون تمييز أو استثناء. أما الدولة التي تفشل في أداء هذه الوظائف، فإنها قد تمتلك كل مقومات القوة، لكنها تظل فاقدة للاحترام الحقيقي.

فالدولة غير المحترمة ليست بالضرورة دولة فقيرة أو مهزومة أو ضعيفة عسكرياً، بل هي الدولة التي تتآكل فيها سيادة القانون تدريجياً، ويتحول دستورها إلى نصوص معطلة، وتصبح مؤسساتها رهينة للمحاصصة والولاءات الضيقة، بينما يشعر المواطن بأن حقوقه لا يحميها القانون بقدر ما تحميها الوساطة، أو النفوذ، أو الانتماء الحزبي، أو الطائفي، أو العشائري.

ولا يُمنح احترام الدولة بقرار حكومي، ولا تصنعه الحملات الإعلامية أو الخطابات السياسية، بل يُبنى يومياً من خلال أداء المؤسسات. فحين يرى المواطن أن المال العام يُهدر بلا محاسبة، وأن الفساد أصبح طريقاً مشروعاً للإثراء بدلاً من أن يكون جريمة تستوجب العقاب، وأن الوظائف العامة توزع على أساس الولاء لا الكفاءة، وأن المناصب تتحول إلى غنائم سياسية، فإن أول ما يتآكل هو ثقته بالدولة، ثم يتراجع احترامه لها.

فالاحترام لا يُفرض بالقوة، وإنما يُكتسب بالعدالة. والدولة التي لا تطبق القانون على الجميع تفقد تدريجياً حقها الأخلاقي في مطالبة مواطنيها باحترامها. فالقانون عندما يصبح انتقائياً، يتحول من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لتعزيز النفوذ، وبذلك يفقد المواطن إحساسه بالمساواة، وهو الأساس الذي تقوم عليه فكرة الدولة الحديثة.

ولا يقتصر الأمر على الداخل، فالمجتمع الدولي أيضاً لا ينظر إلى الدول من خلال شعاراتها، بل من خلال أداء مؤسساتها. فالدولة التي تعجز عن تنفيذ قوانينها، أو حماية المستثمرين، أو ضمان استقلال القضاء، أو احتكار استخدام القوة وفق القانون، أو اتخاذ قراراتها السيادية باستقلالية، لا تحظى بثقة المجتمع الدولي مهما امتلكت من ثروات أو إمكانات.

وفي عالم الاقتصاد المعاصر أصبحت الثقة المؤسسية أهم من الثروات الطبيعية. فالمستثمر لا يبحث عن النفط وحده، بل يبحث عن قضاء مستقل، وإدارة نزيهة، وعقود محترمة، وبيئة قانونية مستقرة. ولهذا نجد أن دولاً قليلة الموارد استطاعت أن تبني اقتصادات قوية بفضل قوة مؤسساتها، بينما بقيت دول غنية بالثروات عاجزة عن تحقيق التنمية بسبب ضعف الإدارة وغياب سيادة القانون.

ويمثل العراق مثالاً مؤلماً لهذه الإشكالية. فهو بلد يمتلك معظم مقومات الدولة القوية؛ حضارة تمتد آلاف السنين، وثروات نفطية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وموقعاً جغرافياً يربط آسيا بأوروبا، وطاقات بشرية أثبتت نجاحها في الجامعات العالمية والمؤسسات العلمية والشركات الدولية.

ومع ذلك، لم تتحول هذه المقومات إلى دولة قوية ومحترمة بالمعنى المؤسسي، لأن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الإمكانات، بل في أسلوب إدارة الدولة، وفي طبيعة النظام السياسي، وفي ضعف بناء المؤسسات، وفي غياب مفهوم الدولة بوصفها كياناً أعلى من الأحزاب والجماعات والمصالح الضيقة.

فبعد عام 2003 نشأ نظام سياسي جديد كان يفترض أن يؤسس لدولة المواطنة والدستور وسيادة القانون، غير أن التطبيق العملي أفرز منظومة معقدة من المحاصصة الحزبية والطائفية والإثنية، فتداخلت السلطات، وضعفت المؤسسات الرقابية، وتعددت مراكز القوة، وأصبح القرار العام في كثير من الأحيان نتاجاً لتوازنات سياسية وصفقات بين القوى المتنفذة أكثر مما هو تطبيق للدستور أو تعبير عن المصلحة الوطنية.

وقد أدى هذا الواقع إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في ازدواجية السلطة، حيث لم تعد الدولة هي المرجعية الوحيدة، بل أصبحت تنافسها مراكز نفوذ مختلفة تمتلك القدرة على التأثير في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، الأمر الذي أضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وأفقدها جزءاً كبيراً من هيبتها.

ومن أخطر نتائج ذلك أن المواطن نفسه بدأ يبحث عن بدائل للدولة. فعندما يعتقد أن العدالة انتقائية، وأن الحقوق تُنال بالوساطة، وأن القانون يُطبق على الضعفاء ويتردد أمام الأقوياء، فإنه يلجأ إلى العشيرة، أو الحزب، أو الجماعة المسلحة، أو العلاقات الشخصية، للحصول على الحماية أو الفرصة أو الحق. وعند هذه النقطة تتراجع فكرة المواطنة، وتتحول الدولة من مرجعية عليا إلى مجرد طرف ينافسه أطراف آخرون في ممارسة السلطة.

ولا يظهر ضعف الدولة في الملفات السياسية الكبرى فقط، بل يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية. فهو حاضر في طوابير الدوائر الحكومية، وفي تأخر إنجاز المعاملات، وفي انقطاع الخدمات الأساسية، وفي انتشار الرشوة، وفي ضعف البنية التحتية، وفي شعور المواطن بأن وقته وكرامته لا يحظيان بالاحترام داخل المؤسسات العامة.

فالدولة التي لا تحترم وقت مواطنيها، ولا تحمي أموالهم من الفساد، ولا توفر لهم تعليماً جيداً، أو رعاية صحية لائقة، أو قضاءً سريعاً وعادلاً، يصعب عليها أن تطالبهم باحترامها. فالاحترام علاقة متبادلة، يبدأ من احترام الدولة للإنسان، لا من مطالبة الإنسان باحترام الدولة.

كما يؤدي ضعف الدولة إلى آثار بعيدة المدى لا تقل خطورة عن المشكلات الاقتصادية. فهو يشجع على الإفلات من العقاب، ويُضعف الشعور بالمساواة، ويزيد من هجرة الكفاءات والعقول، ويقلل فرص الاستثمار، ويؤدي إلى تراجع الانتماء الوطني، إذ يشعر المواطن بأن مستقبله لا تحدده كفاءته أو اجتهاده، وإنما تحدده علاقاته وموقعه داخل شبكة النفوذ السياسي.

وعندما يغادر أصحاب الخبرة والكفاءة أو يُقصون عن مواقع التأثير، فإن المجتمع يفقد أهم ثرواته، وهي الإنسان المنتج القادر على بناء المؤسسات. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على النفط وحده، وإنما على العقول التي تحسن إدارة الموارد.

ولا تقتصر آثار الدولة غير المحترمة على حاضرها، بل تمتد إلى مستقبل أجيالها. فحين يكبر الأطفال في بيئة يرون فيها القانون ضعيفاً، والفساد أمراً اعتيادياً، والمحسوبية طريقاً للنجاح، فإنهم يتشربون هذه القيم باعتبارها جزءاً من الحياة الطبيعية، فتنتقل الأزمة من مستوى المؤسسات إلى مستوى الثقافة المجتمعية، ويصبح إصلاح الدولة أكثر تعقيداً مع مرور الزمن.

ومع ذلك، فإن تشخيص الأزمة لا يعني الاستسلام لها. فالتاريخ الحديث يقدم نماذج عديدة لدول خرجت من الحروب والانقسامات والاحتلال والفساد، لكنها استطاعت أن تعيد بناء نفسها عندما توافرت الإرادة السياسية، وأُعيد الاعتبار لسيادة القانون، واستُعيدت هيبة المؤسسات، وأصبحت الكفاءة والنزاهة معياراً لتولي المسؤولية بدلاً من المحاصصة والولاءات الضيقة.

إن احترام الدولة يبدأ من مبادئ تبدو بسيطة، لكنها تمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة: سيادة القانون على الجميع دون استثناء، واستقلال القضاء استقلالاً فعلياً، وربط السلطة بالمساءلة والمحاسبة، وحماية المال العام، وضمان تكافؤ الفرص، وبناء مؤسسات مهنية لا تخضع للمصالح الحزبية أو الشخصية، وترسيخ إدارة عامة تعتمد الكفاءة والخبرة لا الانتماء السياسي.

كما أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فالمواطن ليس تابعاً للسلطة، بل هو مصدر شرعيتها، والدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الحقوق وتحقيق العدالة وصيانة الكرامة الإنسانية. وكلما اقتربت الدولة من هذا المفهوم، ازداد احترام المواطنين لها، وتعززت ثقة العالم بها.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا لا يشعر المواطن في بعض الدول بأن دولته تستحق الاحترام؟

الجواب لا يكمن في حجم الثروات، ولا في عدد الوزارات، ولا في كثرة الشعارات، بل في التجربة اليومية التي يعيشها المواطن مع مؤسسات الدولة. فاحترام العالم لأي دولة لا يبدأ في المؤتمرات الدولية، ولا تصنعه الحملات الإعلامية، بل يبدأ من المحكمة التي تنصف المظلوم، ومن المدرسة التي تبني الإنسان، ومن الجامعة التي تكرم العلم، ومن الدائرة الحكومية التي تنجز معاملة المواطن بكرامة، ومن الشرطي الذي يطبق القانون على الجميع دون محاباة، ومن المسؤول الذي يخضع للمساءلة قبل أن يطالب الآخرين بالطاعة.

إن الدول تُبنى بالمؤسسات لا بالشعارات، وبسيادة القانون لا بسيادة الأشخاص، وبالمواطنة لا بالمحاصصة، وبالثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. وعندما يتحقق ذلك، تتحول الدولة من كيان يخشاه المواطن إلى وطن يثق به ويفتخر بالانتماء إليه، وتصبح هيبتها انعكاساً لعدالتها، واحترامها ثمرةً لنزاهة مؤسساتها، لا لسطوة سلطتها.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours