نمتار / فائق العبودي
وصلت إلى شقتي بعد رحلة السفر، فوجدتها أشبه بفرنٍ شواء خاص بأعمال السيراميك. حرارة لا تُوصف.
تعيش أوروبا هذه الأيام موجة حر تجاوزت الأربعين درجة مئوية في بعض البلدان، وهذا الرقم هنا يختلف في وقعه عما اعتدناه في بلداننا لعدة أسباب؛ فالسماء صافية، والأشعة فوق البنفسجية أشد حضورًا، كما أن معظم المباني مصممة للاحتفاظ بالدفء في الشتاء، بفضل طبقات العزل الحراري. لكن هذه الطبقات نفسها تحتفظ بالحرارة في الصيف أيضًا، فتتحول الشقق إلى أفران حقيقية.
لم يكن لدي سوى مروحة صغيرة، ولم تعد تكفي. لذلك خرجت لأشتري مروحة أخرى من متجر قريب نسبيًا.
وضعت قبعتي على رأسي، وانطلقت أبحث عن ظلال الجدران والأشجار، أمشي فيها أتنقل من جزيرة نجاة إلى أخرى. وكلما مررت بمحل دخلته لدقائق، لا لأشتري شيئًا، بل لأمنح جسدي فرصة لالتقاط أنفاسه بعيدًا عن الشمس. كان الحر لا يُطاق.
وصلت إلى المتجر، اشتريت المروحة، ثم بدأت رحلة العودة. وفي الطريق دخلت متجرًا لمستحضرات التجميل. بالطبع هو متجر مخصص للنساء، لكن المكيف كان مخصصًا للبشر جميعًا.
تقدمت نحوي إحدى الموظفات بابتسامة وقالت:
– هل أستطيع مساعدتك؟
فكرت في نفسي: ماذا أقول لها؟ هل أخبرها أنني دخلت لأبرد فقط؟
بدلًا من ذلك قلت:
– عندكم حمرة شفاه رجالية؟
ابتسمت وقالت:
– في الحقيقة، لم يعد هناك شيء اسمه رجالي ونسائي… إلا شيء واحد
قلت:
– وما هو؟
قالت وهي تحاول إخفاء ضحكتها:
– فوط الدورة الشهرية
ثم أضافت:
– مع أنني لا أستبعد أن يستخدمها بعض الرجال يومًا ما… فقط ليشعروا أنهم يشاركون النساء الطقس الشهري!
ضحكنا معًا
ثم قلت لها:
– الحقيقة أنني لا أحتاج شيئًا. دخلت فقط لألتقط أنفاسي وأهرب قليلًا من حر الشمس
ابتسمت وقالت:
– استمتع بهذا الأسبوع… فالأسبوع القادم سيكون أشد حرارة
قلت لها:
– إذن سأعود إليكم الأسبوع القادم
سألت مبتسمة:
– لتبرد أيضًا؟
قلت:
– لا… في المرة القادمة سأشتري حمرة شفاه، وسأطلب منك أن تساعديني في اختيار اللون المناسب
– نظرت إليّ باستغراب، فقلت قبل أن تسيء الظن
– لا تقلقي… ليست لي، إنها هدية لزوجتي
ضحكت بصوت عالٍ، وضحكت معها، ثم خرجت أحمل مروحة في يدي كانت أجمل ما اشتريته في ذلك اليوم الحار.
دمتم بالف خير
سويسرا/ لوزان 2026




+ There are no comments
Add yours