صلاح القصب : حين يغادر المبدع وطنا بأكمله

نمتار / د. حسين الانصاري 

رحيل الاصدقاء محزن، لكن رحيل المبدعين اشد ايلاما، لانهم حين يغادرون لا يتركون مكانا شاغرا في قلوبنا فقط، بل يتركون فراغا في ذاكرة وطن، وفي روحه واسئلته وصوره واحلامه.

اليوم، ونحن نودع  فنانا اصيلا ومبدعا متفردا واحد من اساطين الاخراج في المسرح العراقي الكبير صلاح القصب، اشعر انني لا ارثي رجلا عرفته في ايام دراستي الجامعية و استاذا  في كلية الفنون ، بل ارثي جزءا من ذاكرتي، ومرحلة من حياتي، ووجها من وجوه المسرح  الذي عرفناه وعشناه معا.

جمعتني بصلاح الايام طالبا وزميلا وصديقا ومبدعا، وكانت تلك الايام اشبه بمشاهد متتابعة في عرض طويل، تتغير فيها الامكنة والاعمار، لكن تبقى العلامة الابرز هي ذلك الشغف الذي كان يحمله تجاه المسرح، وتجاه ما يمكن ان تفعله الصورة حين تتحرر من حدودها وتصبح لغة اخرى للمعنى.

كان صلاح القصب صاحب مشروع مسرحي مغاير، لم يتعامل مع الخشبة باعتبارها مكانا لعرض النص، بل باعتبارها فضاء لتكوين الصورة وخلق الدلالة ،كانت الصورة عنده عنصرا مركزيا في بناء العرض، لا تأتي لتزيين المشهد، بل لتقول ما لا تقوله الكلمات، ولتفتح امام المتلقي احتمالات متعددة للقراءة والتأويل ،

في عروضه، كان النص يغادر حدوده الورقية ليصبح جسدا وحركة وضوءا وصمتا وفضاء وعلامة ،وكان المتلقي لا يجلس امام عرض مكتمل الدلالة، بل يدخل في لعبة مسرحية تشاركه صناعة المعنى، فيرى ويسأل ويتأمل ويعيد ترتيب العلامات التي يبثها العرض في فضائه ،هكذا جاءت اعماله مثل هاملت، الشقيقات الثلاث، الخال فانيا، عزلة الكريستال، الملك لير، ريتشارد الثالث وغيرها، منارات جمالية في افق المسرح العراقي ، لم تكن تلك العروض مجرد قراءات اخراجية لنصوص معروفة، بل كانت مغامرات في اعادة تشكيل النص داخل فضاء بصري وشعري، حيث تتجاور العلامة مع الصورة، والجسد مع الصمت، والضوء مع العتمة، والحركة مع السكون، لتنتج كل منها دلالة مفتوحة امام المتلقي.

كان صلاح يذهب الى النص لا لكي يكرره، بل لكي يبحث عما يختبئ خلفه كان يفتش عن طبقات اخرى للمعنى، وعن صورة قادرة على ان تجعل المألوف غريبا، وعن فضاء يحرر الخيال من سلطة القراءة الواحدة. ولهذا كانت تجربته جزءا من ذلك المسرح الذي لا يمنح جمهوره اجابات جاهزة، بل يتركه امام اسئلة تستمر بعد ان ينتهي العرض.

ولم يكن صلاح القصب مخرجا فقط، فقد كان استاذا بالمعنى الذي يتجاوز حدود الصف والقاعة والمنهج. كانت محاضرته عرضا اخر، وكان الدرس عنده تمرينا على التفكير، والسؤال مدخلا الى الخيال، والنقاش مساحة لاكتشاف الذات ،كان يحول المحاضرة الى فعل مسرحي حي، يحرك فيه خيال الطلبة، ويدفعهم الى التحليل والابتكار، ويمنحهم شجاعة البحث عن اجاباتهم الخاصة. ولهذا خرج من تحت معطفه الابداعي الكثير من الطلبة الذين حملوا شيئا من اثره، بعضهم في الصورة، وبعضهم في التفكير، وبعضهم في طريقة النظر الى هم المسرح والحياة

كان معلما لا يلقن، بل يوقظ ،لا يقدم المعنى مكتمل الصياغة، بل يدفع طالبه الى صناعة معنا، وربما كانت هذه احدى اهم علاماته التي بقيت في ذاكرة من درسوا على يديه.

ولم يكن حضوره محصورا في الاخراج والمجال الاكاديمي، فقد كان فنانا عربيا دائم الحضور في المشهد المسرحي العربي ، كانت مهرجانات قرطاج تجمعنا في دوراتها، كما  في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وايام الشارقة المسرحية وغيرها من المحافل التي كان يحضرها حاملا معه تجربته واسئلته وذاكرته المسرحية.

كان حضوره في تلك المهرجانات يتجاوز حضور الفنان المدعو الى حضور صاحب المشروع والرؤية ،كان يدخل الى المكان ومعه تاريخ المسرح كله، من المسرح الاغريقي الى التجارب الحديثة، وكان يتحدث عن الخشبة كما لو انها ذاكرة حية، وعن الصورة كما لو انها لغة لا تحتاج دائما الى الكلام.

وكان يترك اثره في كل مكان، لان حضوره لم يكن مرتبطا بعرض او مهرجان، بل بما يحمله في داخله من وعي وخيال ،كان المسرح يسير معه، في ذاكرته وفي حديثه وفي احلامه، حتى في تلك اللحظات التي كان يتحدث فيها عن العرض الاخير ،ذلك العرض الذي بقي حلما، ومشهدا لم يكتمل، وفكرة لم تصل الى لحظتها الاخيرة ، لكنه ربما تركه لمن جاء بعده، للذين عبروا من معطفه الابداعي، وللذين حملوا بعضا من اسئلته الى خشبات اخرى، ولجمهور سيجد في اعماله ما يعيد انتاج حضوره كلما رفعت الستارة.

ايها الراحل الخالد

كيف يمكن ان نرثي فنانا كانت حياته كلها بحثا عن صورة اخرى للمسرح

كيف نودع من جعل من الخشبة فضاء للدهشة، ومن العلامة طريقا الى المعنى، ومن المتلقي شريكا في اكتمال العرض.

اراك الان كما عرفتك في مراحل العمر المختلفة، وارى تلك الايام التي جمعتنا مثل شريط مسرحي طويل، تتداخل فيه الصور والاصوات والاماكن والجمهور، وتبقى صورتك في مركز المشهد  ،لكن المشهد الاخير موجع وشديد الحزن لانه الفراق الابدي.

فانت تغادر الخشبة، وتترك لنا مكانا فارغا لا يمكن ان يشغله احد، ليس لان احدا لا يستطيع ان يأتي بعدك، بل لان العلامة التي تركتها كانت تخصك وحدك.

رحل صلاح القصب، لكن ما صنعه لم يرحل ،ستبقى الصورة، وتبقى العلامات، وتبقى الاسئلة، وتلك المسافة المفتوحة بين العرض والمتلقي، حيث يستمر المسرح حتى بعد ان ينتهي المشهد ،رحل الفنان الى عالم النور والابدية، وترك خلفه مسرحا من الصور والاشارات والدلالات، وترك تلامذة واصدقاء ومحبين يعرفون ان بعض الغياب لا يتحول الى نهاية.

فالمبدع الحقيقي لا يغيب حين يغادر

انه ينتقل من حضوره الجسدي الى حضور اخر، اكثر اتساعا في الذاكرة

وهكذا سيبقى صلاح القصب في المسرح العراقي، لا بوصفه اسما في سجل المخرجين، بل بوصفه علامة من علاماته، وصورة من صوره، وذاكرة حية من ذاكرة تجاربه ومغامراته.

كلما اضيئت الخشبة، وكلما تشكلت صورة جديدة، وكلما وقف المتلقي امام علامة يبحث عن دلالتها، سيكون هناك شيء من صلاح القصب..

وربما يكون هذا هو المشهد الذي كان يليق به ،ستارة لا تنزل تماما

وضوء يبقى في عمق الخشبة

وصورة لا تنطفئ ،

وصديق يواصل الحضور في ذاكرة من عرفه ، رحل القصب، لكن صدى خطاه ما زال على الخشبة، وما زالت صورته معلقة في ذاكرة المسرح العراقي

وسيظل حاضرا في كل مشهد يبحث عن الجمال، وفي كل علامة تفتح بابا للتأويل، وفي فكر كل متلق يخرج من العرض حاملا سؤالا لا يجد له نهاية.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours