نمتار / د. ناصر زيدان
بين مطرقة العدوان الوحشي الإسرائيلي، وسدَّان الهجمة الإيرانية المرتدة؛ يتلقَّى لبنان الضربة تلوى الضربة، وهو يعيشُ ظروفاً صعبة، ويكاد يختنق من جراء الإنطباق السياسي والاقتصادي والأمني المُستمرّ منذ أكثر من عامين. والجنوبيون أكثر من دفع ثمن هذا التوتر من دماء أبنائهم ومن ممتلكاتهم وجنى عمرهم، وأنينهم يٌسمع بقوة في دساكر النزوح، وعلى الطرقات وفي أماكن العمل التي يكاد يطالها الشلَّل.
والدولة حائرةٌ منكوبة، فهي من جهة تتحمَّل أوزار الخراب والدمار والشلَّل، ومن جهة ثانية لا تريد زيادة منسوب القسوة او التوترمع شريحة من أبنائها، ولو كانوا على ضلال.
انطلاق حروب الإسناد والإنتقام، تكاد تكون كما يقول المثل الشعبي ”
شحمة على فطيري للعدو الإسرائيلي” وهو مارس بحجتها أبشع أنواع القتل والتدمير، وأقدم على احتلال شريط لبناني واسع يضمّ عدداً كبيراً من البلدات الجنوبية، وجعلها أرضاً محروقة غير قابلة للعيش. بالمقابل فإن استراتيجية المجموعات المقاومة لم تلتزم بآجندة وطنية، او بتنسيق مع الدولة، وكانت
تتفرَّد بقراراتها الدفاعية بما يتماشى مع ارتباطاتها الخارجية، وهي دفعت الثمن الأغلى في الحرب العبثية، وسقط من صفوفها عدد كبير من الشهداء والجرحى.
اختارت الدولة اللبنانية طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بعد أن تلقت ضمانات من الجهات الراغبة بالحوار، ولا سيما من الولايات المتحدة الأميركية، وهذه الدولة المُنهكة لا تملك في الوقت الحاضر وسائل أخرى لمقارعة العدوان واجبار إسرائيل على الانسحاب، لكنها ليست ضعيفة ومُربكة كما يعتقد حكام تل أبيب، فالشعب اللبناني بغالبيته يقف وراءها، وإذا ما تمادى العدوان، يمكن لهذا الشعب أن يلعب أوراقاً وازنة، كما حصل في الماضي، وقد اندحرت إسرائيل مهزومة، بعد أو وصل احتلالها الى بيروت عام 1982
يبدو الوضع اللبناني اليوم في غاية الإنشداد، فالحكومة لم تلقى الدعم الأميركي كما كان منتظراً، رغم أن وفدها الأخير الى بيروت برئاسة الجنرال جوزيف كليرفيلد أعطى وعوداًللرؤساء الثلاثة ولقائد الجيش، بأن بلاده ستبذل الجهود الكافية لتطبيق مندرجات اتفاق 26 حزيران/يونيو، خصوصاً منها تنفيذ عملية الانسحاب الإسرائيلي من الشريط الأصفر المحتل الى خارج الحدود، ووفق المراحل المُتفق عليها، بالتزامن مع انهاء المظاهر المسلحة غير الشرعية في الجنوب. ولا يمكن تجاهل كون هذا الالتزام الذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية؛كان خطأً فادحاً، لأنه ربط عملية انسحاب الاحتلال بتنفيذ استحقاق داخلي، يفترض أن تنفذه الدولة اللبنانية استناداً الى اللوائح التشريعية (الدستورية والقانونية) لا سيما ما ورد في اتفاق
الطائف للعام 1989 وما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 1701 للعام 2006، وكلها تنص على حلَّ المليشيات وحصر امتلاك السلاح بالجيش اللبناني والقوى الأمنية النظامية الأخرى.
يتزايد الاختناق السياسي في لبنان من جراء عدم اعلان حزب الله قبوله بتسليم السلاح وتصعيده للخطاب الموجه ضد الحكومة اللبنانية لأنها اختارت التفاوض مباشرةً مع العدو ومن جهة ثانية؛ فإن قوى الحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة تتحضَّر لخوض انتخابات تشريعية في تشرين الأول/أكتوبر القادم، والواضح أنها تستخدم ورقة العدوان على لبنان لتحشيد المؤيدين، من خلال البحث عن انتصارات وهمية، بحجة الدفاع عن أمن الإسرائيليين،
وتكاد "تلَّة علي الظاهر" قرب النبطية أن تتحوَّل الى اسطورة عسكرية، واستكمال السيطرة عليها يمكن أن يستخدم كانتصار مهول، بينما الوقائع على الأرض لا توحي بهذه الصورة،رغم أهمية الانفاق التي أنشأها حزب الله تحت هذه التلَّة وفي محيطها، والحزب لم يُحرِّك ساكناً منذ ما يقارب الشهرين، وظروف صموده في وجه العدوان تكاد تكون مستحيلة، والجيش اللبناني قادر على تفكيك هذه المنشأة وغيرها اذا انسحبت اسرائيل.
لبنان عالق بين فكي كماشة متوحشين مهووسين بمثولوجيات عقائدية غير صحيحة من الجهة الإسرائيلية، وبين فريق ممانع ليس لديه أي عاطفة على لبنان، ومغامراته متهورة لن تؤدي الا الى مزيد من الخراب والدمار والفوضى على أمل أن تنجح زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون الى روما في الحصول على موافقة
للتمديد لقوات اليونيفيل لمدة سنة، او تأليف قوة عسكرية من دول صديقة، تكفل فرض الانسحاب على إسرائيل وبسط سيادة الدولة وحدها على أرض الجنوب وفي كل لبنان.
2026/8/19

+ There are no comments
Add yours