هيڤي الملا
قال ستيفن كينغ : ” الوحوش موجودة فعلاً والأشباح كذلك، إنها تعيش داخلنا وتنتصر علينا أحياناً”
موتٌ يُرتَكب بدمٍ بارد، أطفالٌ يتعرضون للتسرب من المدارس والخطف والاغتصاب والابتزاز ،جرائمٌ يوميةٌ وحوادث كارثية يكفي أن تمرر صفحات السوشيال ميديا لتجد أخاً يقتل أخاه، قبل أشهر استدرجَ شابٌ أباه وقتلهُ في مدخل المبنى ،رجلٌ يقتل زوجته ،عائلةّ كاملة لاقت حتفها بطلقات شخص مجهول ،سائقٌ يقتل امرأةً ويرمي جثتها على أطراف المدينة بعد أن اغتصبها وسرقها ،مهربُ حدودٍ يتاجر بالمصائر ، سياراتٌ ،حديدٌ يفوق عدد السكان، حوادث موت يومية ،وربما الموت هو أكثر المشاهد احتمالاً أمام مواقف فظيعة تحدث يومياً وأخلاقيات وسلوكيات جديدة يتسم بها المجتمع ، يُمارس فيها القتلُ والتشنيع وعدم قبول الآخر، يومياً بُنى تُدمر وأخلاق تتهاوى ؟ الإنسان عنوان الرحمة والإنسانية والأخلاق هكذا تعلمنا ودرسنا ، يتلوى ضحكاً وهلوسةً ويداه تقطران دماً، وليس بالموت وحده ينتهي الإنسان، ثمة مواقف خاذلة تعادل الموت ، الإنسانِ واضعها ومسيّرها ٠
إذن كل الدراسات والنظريات التي دعمت بل أثبتت وحشية الإنسان صحيحة، وكذلك علماء النفس والاجتماع على صواب. فلم نشهدْ في عالم الحيوان مايحدث في عالم البشر من وحشية وتجاوز للأدمية٠
في مسيرة الحياة وتقلباتها، قد يخسرُ الإنسانُ أشياء كثيرة المال أو عمل معين ، قد يفقد أحد الأقرباء أو الأعزاء ،َ أمورٌ تحدث وهي من طبيعة الحياة التي تعطي وتأخذ وتتقلب ، ولكن أن يفقد الإنسان إنسانيته، فهي الطامة الكبرى والخسارة الحقيقة التي لاتعادلها خسارة ،بات سهلاً أن نتعامل مع مصطلحات جديدة دون أن نعتبرها شتيمة للإنسان٠ مثل حيونة الإنسان أو أنسنة الألة.فالإنسان حامل متناقضات الخير والشر، الجمال والقبح، الإنسانية والوحشية هل فُطِر على ذلك أم اكتسبه!
ماينبغي قوله : أن أنظمة القمع والاستغلال ومصادرة حرية الإنسان والتضييق حتى على أنفاسه ،وكمية الخذلان التي يعيشها من الآخرين ،من شأنها أن تخلق حالة من الكبت والغضب والتشيء داخل روحه وكأنه مارد ضخم مضغوط في زجاجة ضيقة، و عندما تتاح الفرصة وتُنتزع السدادة يرقص ذلك المارد على حلبة الدم ورقصته البهلوانية تلك ماهي إلا انعكاس لماعاناه من اضطهاد ليمارسَ قسوة أشد مُنتقماً لنفسه، فالجلادُ هنا صنع جلاداً أخر، ليتكاثر الجلادون الذين يمارسون طغياناً مُورِس عليهم وقد يكون أشد قسوة لأنه ممزوجٌ باللعنة والانتقام ٠
ومن منا لم يُفاجأ بنزعة الشر داخله، بذلك الشيطان الذي يهمسُ ويوسوسُ له، ومن منا لم يُفاجأ بوجود الوحش الرابض خلف قناع الإنسانية ، وكم واحد فقد الإحساس بالأشياء لأنها ماتت داخله من جراء الظلم والإذلال والرضوخ وقول نعم٠٠٠ نعم لكل شيء٠
حتى في جلدنا لذواتنا ومحاسباتنا الدائمة وربما صفعنا لوجوهنا المنعكسة في المرآة ، شيء من الوحشية التي تنتهج العقاب وتتيح المناخ ليلعب الشر دورته متى حانت الفرصة ، وحتى العلم الذي يتطور لإسعاد البشرية ولتسهيل حياتها وتسخير التكنولوجيا للتطوير، ينتج الموت ويسخر أدواته ويصنعه فيحول الإنسان لأشلاء متناثرة، والأرض التي تنتج الزهر هي نفسها التي تخصب اليورانيوم أيضاً، وتحوي أسلحة الموت والدمار ٠
سألت نفسي كثيراً من أين أتى هذا الثراء عندنا في أدب السجون، إن لم يسجن ويعذب أرباب الأقلام ومنابر الفكر ودعاة الايديولوجيات،
أدبٌ نسجهُ أفلام التعذيب وصرخات الوجع والأظافر المنزوعة وآثار السياط وكي اللحم ودواليب الموت والتمثيل بالبشر من خلال وحوش مرسوم على وجهها بعض التقاسيم البشرية ٠
،وللأسف تاريخ الطغاة يحمله هذا المقموع الذي يكبر وحشه ويتغذى، حتى تحين فرصته ليتضخم ويسود ،ووقتها ستكون وحشيته أطغى، وكأني به ينتظر في طابور الدور ليحمل سوطه،
ونحن نصارع هذه الوحوش أصبحنا واحدة منها كما حذرنا – نيتشه –
وهذا الجانب المظلم فينا، غير المرحب به بالتأكيد راكد ساكن، لكن القمعَ مناخٌ مثالي يجعله يثور ويسود ٠
كيف نروض هذا الوحش؟ كيف ننفض أيدينا من الدم ونسخرهما لكتابة الشعر وزرع الورد وعزف الموسيقا ومصافحة الأخر؟ كيف نرتقي لعالم الحيوان الذي تصدحُ فيه البلابل على الزهر، والحمام يرمز للسلام، وعين الخيل تدمع إذا فارقت صاحبها،
الأمر بدون أدنى شك متعلق بالأنظمة التي توفر أجواء الحرية وممارسة الإنسان لإنسانيته حتى لايضطر أن يكون وحشاً٠
قد ينام الشر داخلنا، قد يستطيع الواحد منا توسيع مساحة السلام الداخلي عنده، والوعي بأن الشر موجود منذ بداية التكوين، وسيبقى مابقى الخير في شكل صراعي أبدي ، لكن المتسلح بالوعي المتشرب بفلسفات الأمم والأدب والقراءة الواعية، المفكر بسلوكياته المتناغم مع لغة الموسيقا ومآثر السلام، قد يستطيع تنويم وحشه الصغير وتقزيمه ليسود السلام في داخله أولاً، لينعكس بعد ذلك في ممارساته٠
نحن مسؤولون عن إنسانيتنا عن ديمومتها، نرتديها وحهاً حقيقياً غير قابل للتشويه مهما طالتها صفعات الخذلان والقهر.
+ There are no comments
Add yours