قراءة نقدية لقصيدة (هوامش التبريزي) للشاعر حسن عبد الحميد

نمتار / أكرم توفيق

تنهض قصيدة (هوامش التبريزي) على رؤية تأملية ذات طابع وجودي وإنساني  تستثمر شخصية (التبريزي) بوصفها رمزا روحانيا ومعرفيا أكثر من كونها شخصية تاريخية محددة. فالشاعر لا يستحضر التبريزي ليروي سيرته بل ليجعله مرآة لأسئلة الإنسان المعاصر حول الفهم  والاغتراب  والروح ومعنى التواصل الإنساني.

يبدأ النص بمشهد مثقل بالتعب والخذلان (الخُطى مُثقلات بوهم السنين) حيث تتحول السنوات إلى عبء نفسي يثقل الحركة والرؤية معا. ومنذ المطلع يرسخ الشاعر مناخا من الحنين الممزوج بالفقد  ليجعل الغربة حالة وجودية تتجاوز المكان إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن الآخرين.

وتأتي الإحالة إلى مقولة التبريزي (وإن روحي تمتزج بروح من يفهمني) بوصفها المركز الدلالي للقصيدة. فالشاعر ينطلق منها ليطرح سؤالا جوهريا.. ما قيمة الفهم في عالم غارق في الغفلة؟ وهنا تتجلى المفارقة الشعرية بين توق الروح إلى الاندماج والتآلف  وبين واقع إنساني تسوده العزلة والانقطاع.

لغويا  يعتمد النص على الجملة القصيرة والتقطيع الإيقاعي عبر النقاط والحذف  وهو أسلوب يمنح القصيدة نبرة تأملية متقطعة تشبه تدفق الخواطر أو المناجاة الداخلية.

كما تتكاثر الصور ذات الطابع الكوني والروحي مثل (مجرات الهوى) (ضحكة ضوء في عتمة ليل) (خلف سواتر الشمس) وهي صور توسع أفق النص من التجربة الفردية إلى أبعاد إنسانية شاملة.

 

ومن أبرز جماليات القصيدة انتقالها من الخاص إلى العام فمن وجع الحنين الشخصي تنتقل إلى تشخيص العالم بوصفه (مثقلًا بالذنوب مرقطا بالثقوب  مذلا مهانا) فيتحول الألم الفردي إلى رؤية نقدية للواقع الإنساني كله.

أما خاتمة القصيدة فتأتي منسجمة مع مسارها التأملي  إذ ينتهي التبريزي إلى حالة من الذهول والذبول خلف (سواتر الشمس) في صورة تجمع بين الإشراق والانطفاء  وبين الحلم المستحيل والبحث الذي لا ينتهي  وهي خاتمة تترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة أكثر مما تقدم إجابات نهائية.

خلاصة القراءة

قصيدة (هوامش التبريزي) نص تأملي عميق يزاوج بين البعد الصوفي والهمّ الوجودي ويستثمر الرمز والترميز الروحي لطرح أسئلة الفهم الإنساني والاغتراب.

وقد نجح الشاعر في بناء عالم شعري تتداخل فيه الحنينات الشخصية مع الرؤية الكونية مستندا إلى لغة شفافة وصور موحية تمنح النص كثافته الفكرية والجمالية.

 

نص القصيدة ..

هوامش التبريزي

شعر/حسن عبدالحميد

الخُطى مُثقلات

بوهمِ السنينِ

يخطيء بالظنِّ

مُن خانه ..علَّنا

وجع الحنين

يَعز على من فقدِ الأحبةِ

و تاهَ في الغربة

يمحو .. ما خفي

و ما .. بانْ

من أسَفِ الليالي

على وجهِ الزمان

قالها لمرات..

دون أن يتعذّر

ولو.. للحيظات

التبريزيّ شمسٌ

من بعدِ وهمٍ بهيام

“و إن روحي تَمتزج

بِـروح مَن يَفهمني”

ما جدوى الفهم

و شكوى النفع

مادام الكل نيام

بأثرٍ رجعي ..

كم..كُنا نحتاج

لمزجِ الروّحِ بالروّحِ

حتى يكونَ العالم أوضح

من ضحكةِ ضوءٍ ..

في عَتمَة ليل

لا يحتاجُ فيه النّهار

الى … دليلٍ

العالمُ مثقلٌ بالذنوبِ

مرقطٌ بالثقوبِ

مذلٌّ .. مُهان

غارقٌ بالأسى

والندوب

لا أحد .. فيه

يعرفُ أحدًا

إلاّ مَن .. تتطّهرَ

ببعضِ تلكَ الهوامشِ

من وحيِ شمسٍ

و الحواشي ..

تُذكي .. إرث مماشيهِ

في مجراتِ الهوى

وما للروحِ من مسرى

سوى.. ذاك السبيل

الذي ضل آثار خُطاه

و ما

جنى غير مواجعِ الكونِ

وأسفارِ الرحيلِ

خلفَ سواترِ الشمس

يذوي ذاهلًا ..أبدًا

كما ذوابل حلمٍ

مُستحيل ..!

ح.ع.الحميد

– – – – – – – – –

اللوحة  للفنان التشكيلي الكبير عماد عاشور

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours