نمتار / أكرم توفيق

هذه القصيدة (هوامس الأمس) للشاعر حسن عبدالحميد تبدو للوهلة الأولى نصا عن علاقة مضت لكنها في عمقها تتجاوز الحنين إلى الأمس لتصبح مراجعة للذات وللعلاقة وللزمن الذي جعل الإنسان يشك حتى في حقيقة ما عاشه.
وهي قصيدة تقوم على الهمس أكثر مما تقوم على الصراخ لكن خلف هذا الهمس قلق وجودي واضح.
العنوان: (هوامس الأمس)
العنوان موفق جدا فـ(الهوامس )ليست الذكريات الصريحة وإنما الأصوات الخافتة التي تبقى عالقة في الذاكرة كلمة لم تُقل عتاب لم يكتمل.. شك.. خيانة.. رغبة في التمسك وأسئلة لم تجد جواباً.
واللافت أن الشاعر لم يقل (ذكريات الأمس) بل (هوامس الأمس) لأن الماضي هنا ليس صورة واضحة يمكن استعادتها وإنما شظايا صوتية ونفسية تتردد داخل الذات.
(ما عدنا.. كما كنا)1-
يفتتح الشاعر بجملة تبدو بسيطة لكنها تحمل جوهر القصيدة كله.
(ما عدنا.. كما كنا)
هذه ليست مجرد ملاحظة عن تغير علاقة بل إعلان عن انكسار حالة وجودية
ثم يقول:
(ولم نقبل.. بغير سوانا)
هنا نكتشف أن الماضي كان قائما على ثنائية مغلقة أنا وأنت ولا أحد سوانا. ولذلك فإن التحول اللاحق لا يمثل فقدان شخص فحسب وإنما فقدان عالم كامل كان يقوم على وجود الآخر.
2- الطريق والمرآة
من أجمل صور القصيدة:
(لا.. هرب الطريق منا
ولا.. هرمت في البعد
مرايانا)
الشاعر ينفي سببين محتملين للانفصال:
لم يهرب الطريق ولم تهرم المرايا بسبب البعد
لكن لماذا الطريق والمرايا؟
الطريق يمثل المسار المشترك بينما المرآة تمثل صورة كل واحد منهما في عين الآخر.
وهنا تصبح المسألة أعمق ربما لم يكن الخراب في الطريق نفسه ولا في المسافة بل في الإنسان الذي يمشي الطريق وفي الصورة التي يحملها عن نفسه وعن الآخر.
والجمع في (مرايانا) مهم لأن المرآة لم تعد مرآة فرد وإنما مرآة العلاقة كلها.
(كنا نرتق الأمس بالهمس)3-
هذه من أكثر الجمل الشعرية كثافة في النص:
(كنا نرتق الأمس
بالهمس)
فعل (نرتق) عادة يرتبط بالثوب الممزق. والشاعر يستعيره للزمن وكأنه يقول إن الأمس نفسه أصبح ثوبا ممزقا وكان الاثنان يحاولان إصلاحه بالكلمات الخافتة.
لكن اختيار (الهمس) بدلا من (الكلام) يوحي بأن محاولات الإصلاح لم تكن مواجهة صريحة بل كانت ترميمات سرية خجولة مرتبكة.
ومن هنا يأتي العنوان من داخل النص نفسه.
4- الخيانة بوصفها نتيجة للشك
يقول:
(نكذب على الأيام
نخون..!!
إذا اقتضى الشك
بعضنا…)
هنا تتحول العلاقة من الحنين إلى منطقة أخلاقية ملتبسة.
فالخيانة لم تأت بوصفها قرارا مستقلا وإنما ربطها الشاعر بـ(الشك).
وهذا مهم جدا لأن النص لا يتحدث عن الخيانة باعتبارها فعلاً فقط بل باعتبارها ثمرة من ثمار انعدام اليقين.
وكأن الشاعر يقول.. حين يدخل الشك إلى العلاقة تبدأ الحدود الأخلاقية بالاهتزاز ويصبح الإنسان قادرا على تبرير ما كان يرفضه سابقا.
والعبارة :
(إذا اقتضى الشك بعضنا)
تترك مساحة واسعة للتأويل فلا نعرف من خان من وهل حدثت الخيانة فعلا أم أنها بقيت في منطقة الظنون.
وهذا الغموض مقصود لأنه يخدم فكرة القصيدة الأساسية عدم اليقين.
(نعطي ظهرنا للغيب)5-
هذه الصورة تحمل دلالة فلسفية:
(نعطي ظهرنا للغيب
لو شاخت حناجرنا
وبح صوت اللوم
أو خابت نوايانا)
الغيب هنا هو المستقبل والمجهول وما لا يستطيع الإنسان السيطرة عليه.
أما (إعطاء الظهر) فهو تعبير عن الانسحاب والاستسلام والحناجر التي (شاخت) تعني أن الكلام نفسه استُهلك كثرة العتاب جعلت اللغة عاجزة عن إنقاذ العلاقة.
وهنا يلتقي بحّ الصوت مع بطلان النوايا حين تفشل الكلمات وتخيب النيات ماذا يبقى للإنسان سوى الصمت أو الانسحاب؟
6 – السؤال المركزي.. هل كان كل شيء وهماً؟
ثم يصل النص إلى واحدة من أهم لحظاته:
(أكنا محض وهم
أم؟
أم ماذا..؟ !)
هذا ليس سؤالا عن العلاقة فقط بل سؤال عن حقيقة الذاكرة.
هل ما عشناه كان حقيقياً؟
هل الحب كان حقيقياً؟
هل الوفاء كان حقيقياً؟
هل الألم نفسه كان يستحق كل هذا؟
إنها لحظة شك وجودي فالذات لم تعد تشك في الآخر فقط بل بدأت تشك في نفسها وفي ماضيها .
والتقطيع:
(أم؟
أم ماذا..؟..!
يمنح السؤال بعدا نفسيا واضحا كأن الشاعر وصل إلى نقطة عجز فيها حتى عن صياغة السؤال.
التحول من (نحن) إلى (غريمين)
يقول:
(لا شيء..
كنا غريمين..
في طيش هذا الزمان)
هنا تحدث المفارقة الكبرى
في البداية
(ولم نقبل بغير سوانا)
وفي النهاية
(كنا غريمين)
أي أن العلاقة انتقلت من الاكتمال إلى الخصومة.
لكن الشاعر لا يحمل الإنسان وحده مسؤولية ذلك وإنما يضيف:
(في طيش هذا الزمان)
وكأنه يمنح العلاقة سياقا أوسع ربما لم يكن الخراب نتيجة خطأ شخص واحد وإنما نتيجة زمن مضطرب جعل الإنسان أكثر هشاشة وشكا واندفاعا.
8- أجمل منطقة فلسفية في القصيدة
أرى أن المقطع الأشد عمقاً هو:
(تضاددنا.. هواجسنا
وتشتمنا -علنا- دواخلنا
حتى كدنا..
لا نعرف من نكون
ولماذا.. هنا.. نحن)
هنا تتجاوز القصيدة علاقة (أنا وأنت) لتدخل في صراع الإنسان مع ذاته.
(هواجسنا) أصبحت طرفا ثالثا في العلاقة.
فلم يعد الخصام بين شخصين بل صار بين الإنسان وبين مخاوفه وشكوكه وتأويلاته
والأجمل:
(وتشتمنا -علناً- دواخلنا)
الدواخل عادة مكان سري لكن الشاعر يجعلها علنية.
وهذا يكشف أن ما كان مخفيا داخل النفس أصبح أقوى من القدرة على إخفائه
ثم تأتي الأسئلة الوجودية.
(لا نعرف من نكون
ولماذا.. هنا.. نحن)
وهنا تنفتح القصيدة على سؤال أكبر من الحب والفراق من نحن؟ ولماذا نحن هنا؟
أي أن العلاقة كانت مجرد بوابة إلى سؤال الإنسان عن ذاته ووجوده.
9- الخاتمة: هوس الظنون
تنتهي القصيدة:
(وعلى من نسأل
فيأكلنا على مهله
هوس الظنون !!)
وهذه خاتمة موفقة لأنها لا تقدم حلا ، فالظنون لا تقتل الإنسان دفعة واحدة بل
.(تأكلنا على مهله)
وهذه العبارة شديدة الدلالة فالهلاك النفسي هنا بطيء داخلي متدرج.
الشك لا يحتاج إلى حقيقة كي يدمر العلاقة يكفي أن يبقى بلا جواب.
ولهذا تبدو النهاية امتدادا طبيعيا لبداية القصيدة بدأ النص بـ(ما عدنا كما كنا) وينتهي بـ(هوس الظنون) وكأن الشاعر يقول إن الذي غيّرنا ليس الفراق وحده وإنما ذلك الشك الذي أكل صورتنا عن بعضنا وعن أنفسنا.
البناء الفني
القصيدة مكتوبة بلغة قريبة من النثر الشعري لكنها تحتفظ بطاقة شعرية عالية من خلال:
*التكثيف
*كثرة علامات الحذف (..) التي تؤدي وظيفة نفسية لا مجرد ترقيم
*الأسئلة المتتابعة
*الانتقال بين (نحن) و(بعضنا) و(الغريمين
*الاشتغال على الأضداد ..
الأمس/الحاضر الهمس/الصمت الحب/الخيانة الطريق/الضياع، الداخل/العلن اليقين/الظنون
*الأفعال ذات الحمولة النفسية نرتق.. نكذب.. نخون.. نعطي.. شاخت.. خابت.. تضاددنا.. تشتمنا.. يأكلنا
كما أن الشاعر لا يشرح مشاعره مباشرة وإنما يجعل الصور تقوم مقام الشرح وهذه نقطة قوة واضحة في النص.
ملاحظة نقدية
إذا أردنا قراءة النص بصرامة نقدية فهناك بعض المواضع التي تبدو أكثر مباشرة وأقل شعرية من غيرها خصوصا.
(لا شيء.. كنا غريمين..)
و
(في طيش هذا الزمان)
فهذه العبارات تقترب من التقرير بينما بقية النص أكثر إيحاء ورمزية.
كذلك فإن كثافة علامات الحذف والتقطيع تخدم الحالة النفسية لكنها لو خُففت قليلا في بعض المواضع فقد تمنح الإيقاع الداخلي مساحة أكبر ليعمل بذاته.
لكن هذه ملاحظات أسلوبية لا تنتقص من القيمة العامة للنص.
الخلاصة..
(هوامس الأمس) ليست قصيدة عن الفراق بقدر ما هي قصيدة عن الشك الذي يعيد كتابة الماضي.
إنها تبدأ من علاقة اثنين ثم تتحول تدريجيا إلى علاقة الإنسان بنفسه وتنتهي عند السؤال الوجودي مَن نحن؟ ولماذا نحن هنا؟
والجميل فيها أن الشاعر لا يقول لنا إن الحب انتهى ولا إن أحدهما خان الآخر ولا إن الفراق كان خطأ بل يتركنا في المنطقة الرمادية نفسها التي عاشتها الشخصيات منطقة الشك.
ولهذا أجد أن أكثر عبارة تلخص روح القصيدة كلها هي:
(كنا نرتق الأمس بالهمس)
فالأمس كان ممزقا والاثنان حاولا إصلاحه لكنهما اكتشفا في النهاية أن بعض التمزقات لا يصلحها الكلام وأن بعض العلاقات لا ينهيها الفراق بقدر ما ينهيها هوس الظنون.
كما أن الشاعر لا يشرح مشاعره مباشرة وإنما يجعل الصور تقوم مقام الشرح وهذه نقطة قوة واضحة في النص.

+ There are no comments
Add yours