نمتار / لوزان / فائق العبودي

كعادتي كل يوم تقريبًا، أذهب إلى الأسواق القريبة من منزلي.
عند مدخل السوق توجد زاوية للجلوس، وقد وضعوا فيها ماكينة للقهوة والشاي والمشروبات الساخنة الأخرى. أذهب إليها غالبًا لأحتسي الشوكولاتة الساخنة بالحليب، فهي مشروبي المفضل.
بالأمس دخلت امرأة كبيرة في السن، كانت ترتدي ملابس غريبة بعض الشيء، وأكثر ما لفت انتباهي الحذاء الذي تنتعله؛ فردتاه لا تشبه إحداهما الأخرى، وكأن كل واحدة جاءت من قارة مختلفة. والجميل هنا أن الناس يرتدون ما يشاؤون، فلا أحد يهتم كثيرًا بهذه التفاصيل.
جلست قبالتي، وفتحت كيسًا بلاستيكيًا كانت تحمله بيدها، ثم أخرجت عبوة صغيرة من اللبن وبدأت تأكل بإصبعها. عندها بدأت المعزوفة الصوتية. كانت أصوات التلذذ يسمعها الجميع وهي تتعالى مع كل لقمة، وكأنها تؤدي مقطوعة موسيقية خاصة بها. ومع كل صوت كانت تنظر إلى إصبع السبابة الذي تستخدمه في استخراج ما تبقى من اللبن من قاع العبوة، وكأنها تشجعه قائلة: “أقوى… أقوى”.
أما أنا، ذلك الرجل الذي تزعجه هذه الأصوات، فقد حملت كأسي وهربت إلى الخارج لأكمل شرابي بهدوء في الحديقة القريبة ، والحقيقة أن أصحاب المؤثرات الصوتية أثناء الطعام كثر، و يستحقون دراسة خاصة.
في كل مجتمع توجد فئات بشرية متنوعة، لكن هناك فئة نادرة محترفة تمتلك موهبة لا تحتاج إلى دراسة ولا إلى معهد موسيقي، وهي فئة أصحاب المؤثرات الصوتية أثناء الطعام.
تجلس إلى المائدة بهدوء، وتبدأ بتناول طعامك، وفجأة تسمع أصواتًا متنوعة كأنك داخل استوديو لتسجيل الأفلام الوثائقية. صوت مع كل لقمة، وصوت مع كل رشفة، وصوت آخر يثقب طبلة الإذن مخصص لإزالة بقايا الطعام من بين الأسنان بعد انتهاء الوجبة.
وهناك من لا يتردد في مفاجأة الحاضرين بإخراج كل الهواء الذي دخل إلى معدته، وكأن الجهاز الهضمي قرر إصدار بيان رسمي يعلن فيه نجاح العملية.
والغريب أن بعض هؤلاء لا تصدر عنهم الأصوات أثناء الطعام فقط، بل ترافقهم هذه الظاهرة طوال اليوم. كحة بلا سبب، وتنهيدة هنا، وتأوه هناك، وصوت غامض لا تعرف إن كان تعبيرًا عن الراحة أم رسالة مشفرة إلى الكائنات الفضائية.
ومن باب الإنصاف، لا بد من القول إن بعض هذه الأصوات قد يكون له تفسير طبيعي. فابتلاع الهواء أثناء الأكل السريع، أو بعض مشكلات الهضم، أو عادات مكتسبة منذ الطفولة، قد تكون وراء ذلك.
ومن باب الفضول، تجرأت، وأجريت تحقيق ميداني في هذا الموضوع. سألت أحد أصحاب هذه المواهب يومًا:
لماذا تصدر كل هذه الأصوات؟
نظر إليّ مستغربًا وقال:
أي أصوات؟
قلت:
أصوات المطق والشفط وما يتفرع عنها من مؤثرات سمعية متنوعة
ابتسم بثقة وقال:
. لأن الطعام طيب، وهذه الأصوات دليل على أنني مستمتع به
لم أجادله كثيرًا، لكنني خرجت من الحوار بنتيجة مهمة، وهي أن ما أعتبره أنا تلوثًا سمعيًا، يراه هو شهادة جودة للطعام.
وربما كان محقًا من وجهة نظره، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاستمتاع الشخصي إلى عرض مباشر يشارك فيه جميع الجالسين حول المائدة، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا.
والأعجب أن صاحب تلك الأصوات لا يلاحظ شيئًا. أما الجالسون حوله فيدخلون في صراع داخلي بين التهذيب والرغبة في توزيع سدادات الأذن على الحاضرين. والمصيبة الكبرى حين يجلس إلى جانبه شخص آخر يمتلك الموهبة نفسها، فتتحول المائدة إلى ما يشبه جلسة غناء شعبية. ففي الغناء العراقي، عندما يشترك مطربان في أداء الأبوذية أو الموال، وما إن ينتهي أحدهما حتى يقول لصاحبه: «يعبر على الطيب ونيني»، أي جاء دورك. أما هنا لا يحتاج ان يقول الى رفيقه “تعبر على الطيب… مطقتي”، لينطلق الآخر بدوره في أداء فنه السمعي، بينما يواصل الجالسون حولهما رحلة الصبر والتحمل.
وفي النهاية، لا أحد يطلب من الناس أن يأكلوا بصمت الرهبان، لكن من الجميل أن يبقى الطعام وجبةً نتذوقها بالفم لا حفلاً نستمع إليه بالأذن.
دمتم بالف خير



+ There are no comments
Add yours