نمتار / خالد الطشي
منذ أكثر من أحد عشر عامًا، واليمن يعيش مأساة وطنية غير مسبوقة. لم تعد القضية مجرد حرب بين أطراف متصارعة، بل أصبحت قضية وطن فقد دولته، وشعب يواجه الجوع والفقر والمرض وانهيار الخدمات ومؤسسات الحكم.
لقد وجد اليمنيون أنفسهم عالقين بين سلطتين، تختلفان في الشعارات وتتشابه النتيجة. سلطة أمر واقع فرضت مشروعها بالقوة وأخضعت المجتمع لمنطق السلاح، وسلطة تمتلك الشرعية والاعتراف الدولي لكنها عجزت عن تحويل هذه الشرعية إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة ويحمي مصالح المواطنين.
وبين الطرفين ضاعت الجمهورية..
أين الدولة؟
لم يعد السؤال من يحكم اليمن، بل أين هي الدولة؟
أين الدولة التي تحمي مواطنيها، وتصون سيادتها، وتحفظ الحقوق، وتوفر الخدمات، وتدير موارد الوطن لصالح أبنائه؟
لقد أصبح اليمن وطنًا مثقلًا بالانقسام، وشعبًا يدفع وحده ثمن الصراع، فيما تستمر النخب المتنازعة في إدارة الأزمة بدلًا من إنهائها.
إن أخطر ما أصاب اليمن خلال السنوات الماضية ليس فقط الدمار الاقتصادي والإنساني، بل انهيار فكرة الدولة نفسها. وعندما تغيب الدولة، تحضر الفوضى والفساد والتبعية، ويصبح المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة.
الحاجة إلى بديل وطني…كيان وطني جامع او حكومة منفى.
إن استعادة الدولة لم تعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية ووجودية، ولأن الواقع أثبت عجز القوى القائمة عن إنهاء الأزمة، فإن من حق الشعب اليمني أن يبحث عن بديل وطني قادر على تمثيل قضيته واستعادة صوته في الداخل والخارج.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع تقوده الشخصيات الوطنية المستقلة والكفاءات المشهود لها بالنزاهة والخبرة، من داخل اليمن وخارجه، بعيدًا عن الصراعات التي أنهكت البلاد.
وفي هذا الإطار، تبرز فكرة تشكيل حكومة منفى وطنية انتقالية أو تشكيل كيان وطني جامع كخيار سياسي استثنائي تفرضه الظروف الاستثنائية. حكومة لا تسعى إلى منافسة أحد على سلطة مفقودة، ولا إلى إضافة طرف جديد للصراع، بل إلى استعادة التمثيل الحقيقي للشعب اليمني والدفاع عن قضيته أمام المجتمع الدولي.
حكومة تضم شخصيات وطنية مستقلة وخبرات يمنية مشهودًا لها بالكفاءة والنزاهة، تتولى العمل من أجل استعادة مؤسسات الدولة، وحشد الدعم الدولي، وإطلاق مشروع للعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لانتخابات حرة يختار فيها اليمنيون قيادتهم بإرادتهم الحرة.
قيادة للإنقاذ لا للسلطة
إن اليمن لا يحتاج إلى سلطة جديدة، بل إلى قيادة وطنية مؤقتة تنقذ الدولة من الانهيار ، قيادة يلتف حولها الحكماء والعقلاء والشرفاء من أبناء الوطن، ويدعمها الشعب وتستند إلى الكفاءة والنزاهة لا إلى السلاح أو النفوذ، وتحمل مشروعًا وطنيًا هدفه استعادة الجمهورية والسيادة والدولة ، فالشعوب حين تصل إلى لحظات الانسداد الكبرى لا تنتظر الحلول ممن صنعوا الأزمة، بل تصنع بنفسها البدائل القادرة على تجاوزها.
العدالة طريق الدولة
غير أن استعادة الدولة وحدها لا تكفي ، فلا يمكن بناء مستقبل جديد دون عدالة، ومحاسبة كل من له علاقة عبثية بالوطن ومعانات شعب بأكمله ولا يمكن تحقيق سلام دائم في ظل الإفلات من المساءلة.
إن من حق الشعب اليمني أن تُنصف ضحاياه، وأن تُحاسب جميع الأطراف التي أسهمت في تدمير مؤسسات الدولة أو إطالة أمد الحرب أو الإضرار بمصالح المواطنين، وفقًا للدستور والقانون والمعايير الدولية للعدالة فالعدالة ليست انتقامًا، بل أساس بناء الدولة والمحاسبة ليست ثأرًا سياسيًا، بل ضمانة لعدم تكرار المأساة.
اليمن يستحق المستقبل
إن اليمنيين لا يطالبون بالمستحيل إنهم يطالبون بدولة تحميهم، وقانون ينصفهم، وسيادة تصون وطنهم، وعدالة تحفظ حقوقهم، ومستقبل يليق بتضحياتهم.
لقد آن الأوان لأن يستعيد اليمنيون صوتهم، وأن يستعيد اليمن دولته، وأن تعود الجمهورية إلى أصحابها الحقيقيين: أبناء الشعب اليمني ، فالأوطان لا تُبنى بالسلاح، ولا تُدار بالمصالح الضيقة، وإنما تُبنى بالإرادة الوطنية الحرة، والقيادة المسؤولة، والعدالة، والإيمان بأن اليمن يستحق مستقبلًا أفضل، وإذا كانت السنوات الماضية سنوات ضياع الدولة، فإن السنوات القادمة يجب أن تكون سنوات استعادتها
13 حزيران 2026


+ There are no comments
Add yours