نمتار / د. عبد الوهاب العاني
لم تعد أزمة العراق في غياب الحلول، بل في الاكتفاء بإدارة الأزمات، تلك التي راكمت التعقيدات بدل أن تفككها، وأبقت الدولة تدور في مساحات رمادية لا تُنتج استقرارًا ولا تبني ثقة.

سيواجه رئيس الوزراء القادم، المنبثق من تسوية سياسية معقدة، واقعًا لا يشبه ما واجهه من سبقوه. فالتحديات اليوم لم تعد تحتمل سياسة “مسك العصا من المنتصف”، التي أثبتت التجربة أنها تؤجل الأزمات ولا تنهيها.
غير أن توصيف الحكومة بأنها “حكومة تسوية” يفرض سؤالًا جوهريًا: تسوية مع من؟
في الواقع، هي ليست تسوية مع طرف واحد، بل تقاطع مصالح بين قوى متعددة داخل البيت السياسي، ومع شركاء العملية السياسية من قوى سنية وكردية، إضافة إلى قبول إقليمي ودولي لا يعارض هذا الخيار. إنها، في جوهرها، تسوية تهدف إلى تمرير المرحلة وتفادي الانسداد، أكثر مما تهدف إلى إطلاق مشروع إصلاحي شامل.
ومن هنا، تبرز الإشكالية الأساسية: هل تنتج التسويات حلولًا، أم تكتفي بإنتاج حكومات؟
لقد أثبتت التجربة العراقية أن التسويات غالبًا ما تنجح في تشكيل الحكومات، لكنها نادرًا ما تنجح في حلّ الأزمات، لأن كل طرف يدخلها وهو متمسك بأوراق قوته، وغير مستعد للتنازل عن الملفات التي تمنحه النفوذ. ولهذا، تبقى القضايا الكبرى، مثل العلاقة بين بغداد وأربيل، عالقة بين التأجيل والتدوير، دون حسم حقيقي، كما يظهر ذلك بوضوح في أزمات الرواتب المتكررة، والخلافات النفطية، وتعطّل الاستحقاقات الدستورية.
إن العلاقة بين المركز والإقليم تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التعقيد. فمنذ سنوات، لم تُدار هذه العلاقة وفق رؤية دستورية ثابتة، بل خضعت لحسابات سياسية متغيرة، ما أدى إلى تراكم أزمات تتجدد بأشكال مختلفة. ومع ذلك، فإن المدخل الحقيقي للحل لا يزال واضحًا: العودة إلى الدستور بوصفه مرجعية ملزمة للجميع، لا خيارًا انتقائيًا يُستخدم حينًا ويُهمل حينًا آخر.
فملفات مثل تطبيق المادة 140، ومعالجة رواتب موظفي الإقليم، وحسم حصة الإقليم من الموازنة، وتشريع قانون النفط والغاز، تمثل جوهر الخلاف، ولا يمكن تجاوزها دون قرارات واضحة وشجاعة. لكن هذه القرارات، في ظل بيئة قائمة على التوازنات، لا يمكن أن تكون فردية، بل تحتاج إلى إرادة سياسية جماعية تتجاوز منطق إدارة الخلاف إلى منطق حسمه.
وهنا، لا بد من الإقرار بأن أي رئيس وزراء يأتي ضمن تسوية، سيكون مقيدًا بهذه التوازنات، ما يجعل قدرته على الحسم مرهونة بمدى استعداد القوى الداعمة له للانتقال من تفاهمات ظرفية إلى اتفاقات ملزمة. فالتسوية، بحد ذاتها، ليست ضمانة للحل، بل قد تكون إطارًا لإدارته ما لم تُبنَ على أسس واضحة وجداول زمنية محددة.
إن إقليم كوردستان، بوصفه شريكًا في العملية السياسية، كان حاضرًا في محطات حاسمة وأسهم في تجاوز أزمات كبرى، ما يؤكد أن العلاقة معه يجب أن تُبنى على الشراكة الحقيقية لا على منطق الغلبة أو الشك. فاستقرار هذه العلاقة ليس مصلحة طرف دون آخر، بل هو ركيزة لاستقرار العراق كله.
وفي المحصلة، يبقى العراق أمام خيارين: إما الاستمرار في إنتاج حكومات عبر تسويات مؤقتة تُدير الأزمات دون أن تحلّها، أو الانتقال إلى مرحلة تُحوَّل فيها هذه التسويات إلى اتفاقات راسخة تُنهي جذور الخلاف.
إن الفرصة قائمة، لكنها لن تُمنح مرتين؛
فإما أن تتحول التسوية إلى مشروع دولة، أو تبقى مجرد محطة أخرى في طريق الأزمات.


+ There are no comments
Add yours