تمتار / د. ناصر زيدان
الويلات التي سببتها الحرب على لبنان منذ 7 أسابيع؛ غطَّت على عذابات التلامذة من النازحين السوريين الذين عادوا الى بلدهم، كما على شقاء عدد كبير من اللبنانيين الذي اضطرُّوا لمغادرة مدارسهم والالتحاق بمدارس جديدة. وقد حجبت مآسي الناس التي سببها العدوان الإسرائيلي رؤيا المظالم والعذابات التي عاشها القطاع التربوي بطبقة سميكة من غبار الحيرة والارتباك الرمادي القاتم.
قد يتساءل البعض عن جدوى طرح مثل هذا العنوان اليوم، بينما هناك أشلاء لضحايا مازالت تحت ركام الدمار، كما مازالت تداعيات الحرب الخبيثة قائمة نزوحاً وتشرداً وآلآم يتحملها الجرحى والمصابين، والوضع السياسي قاب قوسين، او أدنى من مسافة الإنفلات، والإختناق الاقتصادي يدفع غالبية من الناس الى حافة “الكفر” من الضيقة. في حساباتٍ بسيطة يتبين أن المتأثرين من السوريين بالحالة الاستثنائية التي حصلت لا يقل عددهم عن 200 ألف طالب، بينما عدد كبير من أقرانهم من اللبنانيين تأثروا بالصعوبات أيضاً. وكل هؤلاء اضطرتهم الحرب للانتقال الى أماكن تحصيل علمي مدرسي وجامعي جديدة في سوريا، او في دول أخرى.
ففي حالة الطلاب السوريين الذين عادوا الى بلادهم من لبنان منذ بدء الحرب، وقسراً دون أن يتمكنوا من اصطحاب أية مستندات من مدارسهم او جامعاتهم؛ يمكن ذكر بعض المعاناة التي يقاسونها، على سبيل المثال لا الحصر: تطلب إدارات المؤسسات التربوية المعنية في سوريا إفادات مصدَّقة من الجهات اللبنانية، قبل أن تسمح بتسجيلهم لديها لمتابعة العام الدراسي. هؤلاء هربوا من الحرب، وبعضهم ضُربت مدارسهم، ولا دوام اداري فيها – خصوصاً التي كانت تعمل بعد الظهر – وبالتالي لا يستطيعون الحصول على هذه الافادات. وإذا حصلوا على بعضها؛ يصعب عليهم تصديقها من غالبية الدوائر المختلفة والمتنوعة، حيث شروط وزارة التربية السورية العادية تفرض توقيع الافادات من المدرسة الأساسية، ومن ثمَّ من دائرة التربية في القضاء ومن مديريات المحافظ ومن وزارة التربية ومن وزارة الخارجية اللبنانية، ومن السفارة السورية في بيروت، بينما إجراءات دخول السوريين الى لبنان أصبحت معقدة جداً بعد نجاح الثورة السورية وانتفاء مبرِّر النزوح، وهذه الإجراءات تنطبق على الطلاب السوريين او أولياء أمورهم اليوم. فكيف يستطيع هؤلاء الحصول على شهاداتهم، او الافادات في هذه الحالة؟ وهل من المنطق والحق حرمانهم من متابعة عامهم الدراسي؟
أما الطلاب اللبنانيين الذين غادروا الى خارج البلاد إبان الحرب، وهرباً من ويلاتها، وبينهم عدد كبير ذهبوا الى سوريا بالتحديد، نظراً للترابط العائلي القائم بين الشرائح الاجتماعية في البلدين الشقيقين، ولأن بعض اللبنانيين يملكون بالفعل منازل في سوريا منذ أيام الحروب اللبنانية المتتالية. فهؤلاء ايضاً صعَّبت عليهم سلطات البلدين متابعة تحصيلهم العلمي، لإسباب بيروقراطية او أكاديمية مختلفة، ومغادرتهم السريعة للبنان لم تسمح لهم بإصطحاب المستندات الضرورية.
السلطات التربوية في سوريا وفي لبنان؛ مطالبة بوضع اليد على الجرح، ومعالجة هذا النزيف المؤلِم الذي يتوجع منه مئات الآلاف من السوريين واللبنانيين. وقد تكون وسيلة تخفيف الآلام من خلال التوقيع على “بروتوكول تربوي” استثنائي بين البلدين، يسمح بتخفيف معاناة المنكوبين من الإجراءات الإدارية المفروضة، ويعتمد صيغة جديدة مؤقتة، تسمح للطلاب بالحصول على الافادات بطرُق سهلة، او تجاوز بعضها (من دون الاخلال بالمعايير العلمية) ليتمكن هؤلاء من متابعة التحصيل في مؤسسات تعليمية جديدة، او السماح لهم بالعودة الى لبنان لإكمال العام الدراسي. والتعاون القائم بين الحكومة اللبنانية والإدارة السورية الجديدة يُسهِّل الوصول الى تسوية عادلة لهذا الملف الشائك. ودون هذا الإجراء تكون الحكومتان في وضعية تجاوز مباديء حقوق الانسان، لا سيما مندرجات العهد الدولي للحقوق التربوية والثقافية للعام 1966 وملحقاته، وهي تفرض احترام حق الانسان بالتحصيل العلمي من دون أية عوائق أمنية او إدارية.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر؛ يمكن الإشارة الى المظالم الكبيرة التي تُصيب طلاب سوريين وطلاب لبنانيين كانوا قد حصلوا على شهادات من جامعات في كلا البلدين في فترة حكم النظام البائد، وغالبية من هؤلاء يلاقون عرقلة لأسباب سياسية، وتتهمهم السلطات بالحصول على هذه الشهادات عن طريق مفاضلات حزبية. فالعدالة الانتقالية تفرض الحفاظ على الحقوق والممتلكات الشخصية – المادية والفكرية – من دون ظلم، ومن دون اقتصاص له خلفيات سياسية أو طائفية أو حزبية.


+ There are no comments
Add yours