نمتار / د.شذى العاملي
ليس للعراق تعريفٌ واحد، لأن البلاد التي اخترعت الأبجدية لا يمكن أن تُختصر في جملة، ولا أن تُختزل في حدودٍ مرسومة على الخرائط. العراق نصٌ مفتوحٌ على الزمن، وكلُّ جيلٍ يقرأه بطريقة مختلفة، وكلُّ عصرٍ يضيف إليه هامشًا جديدًا، حتى بدا وكأن هذه الأرض لا تعيش داخل التاريخ، بل تجعل التاريخ يعيش داخلها.


في القراءة السيميولوجية، لا تُقاس قيمة الأوطان بما تملكه من ثروات، وإنما بما تنتجه من علاماتٍ قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فالعَلَم ليس قطعة قماش، والدستور ليس أوراقًا، والمؤسسة ليست جدرانًا، والقيادة ليست لقبًا سياسيًا؛ إنها جميعًا رموزٌ تتجاوز ماديتها لتصبح لغةً أخلاقية تُعرِّف الإنسان بوطنه، كما تُعرِّف الوطن بنفسه.
ومن هنا تبدأ الحكاية
إن العراق يقف اليوم، كما وقف مراتٍ كثيرة عبر تاريخه الطويل، أمام سؤالٍ وجودي لا يتعلق بمن يحكم، بقدر ما يتعلق بكيفية استعادة المعنى داخل الدولة. فالفساد، في جوهره السيميولوجي، ليس اختفاء المال وحده، بل هو انهيار الدلالة؛ حين يفقد المنصب رسالته، وتفقد المؤسسة روحها، ويتحول القانون من ميزانٍ للعدالة إلى نصٍ بلا ذاكرة.


وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تظهر شخصياتٌ مهمة في المشهد الثقافي اليتيم لحد الان (( مثيل الفنان الدكتور ثامر الناصري )) والذي يعلّق عليها الناس آمالهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو رئيس الوزراء علي الزيدي أنه يمثل مشروعًا إصلاحيًا طموحًا يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وأن رهانه الأكبر لا يقتصر على إدارة الدولة، بل يمتد إلى محاولة إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والكفاءة وبناء المؤسسات. وإذا صحَّ هذا الرهان، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في تغيير الوجوه، بل في تغيير الثقافة التي أنتجت الأزمات، لأن الإصلاح يبدأ من إعادة إنتاج المعنى قبل إعادة إنتاج القرار.
غير أن الدولة لا تستطيع أن تنهض بالسياسة وحدها؛ فالحضارة التي لا تمتلك خطابًا ثقافيًا متجددًا، تبقى معرضة لإعادة إنتاج أزماتها مهما تبدلت الحكومات. ولهذا تصبح الثقافة، في معناها العميق، شريكًا في بناء الدولة، لا نشاطًا هامشيًا على أطرافها.
ومن هذا التصور تنبع الرؤية التي يحملها الدكتور ثامر الناصري، الباحث في مجال الثقافة، والذي يرى أن معركة العراق الكبرى ليست معركة عمرانٍ أو اقتصادٍ فحسب، بل هي معركة استعادة الذائقة الوطنية والبدأ بتعبئة الحياة بالثقافة المجتمعية والتي وصفها الدكتور ثامر الناصري انها (( امن قومي )) ، وإحياء الضمير الجمالي، وإعادة الاعتبار للفنان بوصفه شاهدًا على هوية العراق، لا مجرد منتجٍ للجمال.
وفي إطار هذه الرؤية، ارتبط اسمه بقيادة جائزة أوروك الدولية ومهرجان الفن التشكيلي العربي منذ عام 2010، في تجربةٍ يصفها مؤيدوها بأنها محاولة لتحويل الثقافة من موسمٍ احتفالي إلى مشروعٍ مؤسسي، ومن نشاطٍ نخبوي إلى رسالةٍ وطنية تعيد للفن مكانته بوصفه لغةً لبناء الإنسان.
إن الفنان الرائد، في هذا التصور، ليس ذكرى تُعلَّق على جدار، بل ذاكرةٌ حيّة للدولة. والاطمئنان على صحته، وزيارته، والدعوة إلى توفير رعايةٍ تليق بعطائه، ليست مواقف إنسانية فحسب، بل أفعالٌ رمزية تعلن أن العراق لا ينسى الذين كتبوا ملامحه بالألوان، أو نحتوا هويته بالحجر، أو صاغوا وجدانه بالموسيقى والكلمة
فحين تُكرِّم الدولة مبدعيها، فإنها لا تمنحهم الاعتراف، بل تمنح نفسها شرعية الوفاء.
وحين يصبح المثقف شريكًا في صناعة القرار الثقافي، والسياسي شريكًا في حماية المعنى، والمجتمع شريكًا في الدفاع عن الجمال، يبدأ العراق في كتابة فصلٍ جديد من تاريخه؛ فصلٍ لا تكون فيه النهضة مشروع حكومةٍ فحسب، بل مشروع أمةٍ كاملة تؤمن بأن الحضارات لا تُقاس بما تتركه تحت الأرض من آثار، وإنما بما تزرعه فوق الأرض.


+ There are no comments
Add yours