نمتار / اياد القيسي
هل الغضب حقاً فقدان للسيطرة وانفلات لمشاعر مكبوتة، أم أنه في بعض الحالات أداة وظيفية يستخدمها الفرد لخدمة أغراض نفسية معينة؟ في تحليل يُعيد النظر في المفهوم التقليدي للانفعالات، يقدم ألفريد آدلر أطروحة مغايرة تجرّد المشاعر الحادة من طابعها العشوائي، وتضعها تحت مجهر “الغائية”، مُقترحاً أن الغضب ليس ردّ فعل أعمى في كثير من السياقات، بل هو سلوك انفعالي يخدم غرضاً نفسياً وظيفياً يتصل بالسيطرة وحفظ الصورة الذاتية.

يُصنّف آدلر الغضب ضمن ما يُعرَف بـ”المشاعر الانفعالية الهجومية”، رافضاً الفكرة القائلة بأن الإنسان يقع “ضحية” لغضبه أو يفقد السيطرة على نفسه بصورة تامة. وفقاً لآدلر، لا توجد عاطفة تنبثق من فراغ أو تعمل في معزل عن أسلوب حياة الفرد؛ بل إن كل انفعال، مهما بدا مفاجئاً أو عنيفاً، يخدم هدفاً نفسياً معيناً. إن الانفعالات تُستدعى في اللحظة المناسبة وبالكثافة المطلوبة، لتحقيق غرض آني في موقف يشعر فيه الفرد بتهديد لصورته الذاتية أو مكانته.
يكشف آدلر أن الغضب، في سياقات بعينها، يمثل آلية للتعويض عن الشعور بالدونية. فحين يعجز الفرد عن مواجهة تحدٍّ ما بالطرق العقلانية أو من خلال التعاون، وحين يشعر بأن قيمته مهددة، فقد يستدعي الغضب كآلية ترهيب أو إغلاق للموقف. يهدف هذا الغضب إلى دفع الآخرين إلى التراجع، وفرض هيمنة آنية، واستعادة شعور مؤقت بالتفوق. ويرى آدلر أن اللجوء المتكرر إلى الانفعال الحاد قد يكشف عن صعوبة في مواجهة التحديات بطرق أكثر نضجا.

مثال تطبيقي: يتجلى هذا التحليل في بعض سياقات العمل، عندما يواجه مدير سؤالاً منطقياً يكشف خللاً في خطته، فيستجيب بالانفعال الحاد بدلاً من مناقشة الأمر بموضوعية. وفق القراءة الآدلرية، قد يكون هذا الغضب أداةً لاشعورية لإغلاق باب النقاش وإعادة فرض السلطة.
ويُشير آدلر إلى أن اللجوء المتكرر للغضب كأداة هجومية يمثل انحرافاً عن “الشعور الاجتماعي”، إذ يُرسّخ علاقات قائمة على الخوف بدلاً من التفاهم.
في المحصلة، تُشكّك قراءة آدلر في هالة “القوة” التي تحيط بالغضب في بعض الأذهان، وتُعيد تصنيفه بوصفه في حالات عديدة انعكاساً للعجز عن التكيف، وآليةً يلجأ إليها الفرد حين تضيق أمامه سبل المواجهة الناضجة.
يرى أدلر أن الإنسان لا يغضب لأن شخصًا آخر أغضبه فقط، بل لأن الغضب يخدم غرضًا نفسيًا. أي أن الغضب أحيانًا يكون وسيلة لتحقيق هدف، مثل فرض السيطرة، أو الهروب من المسؤولية، أو حماية الكرامة.
فمثلًا:
*طفل يصرخ ويبكي حتى يشتري له والداه لعبة
*موظف يغضب بشدة عندما يُنتقد حتى يمنع الآخرين من انتقاده مرة أخرى
في الحالتين، الغضب أدى وظيفة معينة.
الفصل الأول: ما هو الغضب؟
يفرق الكتاب بين أمرين:
*الغضب: شعور طبيعي يمر به كل إنسان
*العدوان: هو التصرف الذي قد ينتج عن الغضب، مثل الصراخ أو الضرب أو الإهانة.
ليس كل غضب يؤدي إلى العدوان، لكن عندما يعجز الإنسان عن التعبير بطريقة صحية، يتحول إلى سلوك مؤذٍ.
الفصل الثاني: لماذا نغضب؟
يقول أدلر إن السبب الحقيقي غالبًا ليس الموقف نفسه، وإنما تفسيرنا له.
مثال:
شخصان تعرضا للإهانة.
*الأول ابتسم وتجاهلها
*الثاني ثار وغضب
لو كانت الإهانة وحدها سبب الغضب، لغضب الاثنان بنفس الدرجة، إذن الذي يحدد الغضب هو طريقة التفكير والشعور الداخلي.
الفصل الثالث: الشعور بالنقص
هذه أهم فكرة عند أدلر ، يقول إن كل إنسان يشعر بالنقص في مرحلة ما:
بسبب الفقر أو الشكل أو المرض أو الفشل أو المقارنة بالآخرين وهذا الشعور طبيعي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يحاول الإنسان إخفاء هذا النقص بالقوة أو الغضب.
مثال:
طالب يرسب في الامتحان، فيبدأ بمهاجمة المعلمين ويقول:
“كلهم لا يفهمون.”
هو في الحقيقة يحاول حماية نفسه من الاعتراف بالفشل
الفصل الرابع: عقدة النقص وعقدة التفوق
يوضح الكتاب أن هناك نوعين من الناس.
الشخص السوي: يشعر بالنقص ثم يجتهد ليصبح أفضل
الشخص غير السوي : يشعر بالنقص، لكنه يحاول أن يبدو أفضل من الجميع.
لذلك قد: يتكبرأو يحتقر الناس او يغضب بسرعة او يفرض رأيه بالقوة.
هذه ليست علامة قوة، بل تعويض عن ضعف داخلي
الفصل الخامس: الغضب وسيلة للسيطرة
يرى أدلر أن بعض الناس يستخدمون الغضب كسلاح.
مثلاً: الزوج يغضب حتى تخاف الزوجة او المدير يصرخ حتى لا يناقشه الموظفون او الطفل يبكي حتى يحصل على ما يريد.
في كل هذه الأمثلة، الغضب وسيلة للسيطرة وليس مجرد انفعال.
الفصل السادس: التربية
يؤكد الكتاب أن الأسرة تصنع طريقة تعامل الإنسان مع الغضب إذا تربى الطفل على: الضرب اوالإهانة او الصراخ اوالتهديد.
فسيتعلم أن القوة هي الحل أما إذا تعلم:
الحوار، الاحترام، تحمل المسؤولية
فسيصبح أكثر هدوءًا
الفصل السابع: الغيرة والحسد
يربط أدلر الغيرة بالشعور بالنقص فالإنسان الواثق بنفسه لا يقضي وقته في مقارنة نفسه بالآخرين، أما الذي يشعر بأنه أقل، فيبدأ بالغضب من نجاح الآخرين.
الفصل الثامن: المجتمع
يؤكد أدلر أن الإنسان السعيد هو الذي يشعر بأنه جزء من المجتمع أما الشخص الذي يعيش وهو يفكر
“أنا أهم من الجميع”
أو
“الجميع ضدي”
فهو أكثر عرضة للغضب والعدوان.
الفصل التاسع: كيف نعالج الغضب؟
يقترح الكتاب عدة خطوات:
معرفة السبب الحقيقي للغضب، الاعتراف بالشعور بالنقص بدل إخفائه، تقوية الثقة بالنفس، تعلم الحوار بدلاً من الصراخ ،التعاون مع الآخرين، التوقف عن مقارنة النفس بالناس.
الرسالة الفلسفية للكتاب:
يرى أدلر أن الإنسان لا تحركه الأحداث الماضية فقط، بل أيضًا الأهداف التي يسعى إليهاأي أننا لا نغضب فقط بسبب ما حدث، بل لأن الغضب يساعدنا أحيانًا على الوصول إلى ما نريد، ولهذا يقول إن تغيير السلوك يبدأ بتغيير الهدف الذي نسعى إليه.
أهم الاقتباسات الفكرية المستخلصة من أفكار أدلر:
الإنسان لا يولد عدوانيًا، بل يتعلم العدوان ، الشعور بالنقص ليس عيبًا، وإنما يصبح مشكلة عندما نحاول إخفاءه بالقوة، القوة الحقيقية هي القدرة على ضبط النفس، لا السيطرة على الآخرين،
التعاون مع الناس علامة صحة نفسية، أما الرغبة الدائمة في التفوق عليهم فقد تكون تعويضًا عن نقص داخلي،الغضب لا يحل المشكلات، بل يكشف غالبًا عن مشكلة أعمق تحتاج إلى فهم.
خلاصة الكتاب:
كل غضب يخفي وراءه حاجة أو خوفًا أو شعورًا بالنقص؛ وإذا فهم الإنسان هذا السبب الداخلي، أصبح قادرًا على التحكم في انفعالاته وبناء علاقات أكثر صحة مع الآخرين.وعندما يفهم الإنسان دوافعه الحقيقية، يصبح أكثر قدرة على التحكم في انفعالاته والتعامل مع الآخرين بطريقة صحية.
*طبيب عقلي ونفسي نمساوي وهو مؤسس مدرسة علم النفس الفردي


+ There are no comments
Add yours