بين جدب السماء وخصب الرجاء … قراءة في قصيدة (جدب)

نمتار / أكرم توفيق

تنهض قصيدة (جدب) للشاعرة كوثر القريشي على مفارقة شعرية لافتة  فهي تبدأ بصورة الجفاف  لكنها لا تنتهي إليه بل تجعل منه عتبة للرجاء.

وهكذا يتحول الجدب من حالة مناخية إلى استعارة وجودية تعكس انقطاع العطاء  وغياب الحلم  وتأجيل الخصب الروحي.

يفتتح النص بقوله:

عندما قرر

أن ينحسر عن سمائي

المطر

فلا يبدو المطر هنا ظاهرة طبيعية  بل كائنا يمتلك إرادة القرار  وكأن الحياة نفسها اختارت الانسحاب.

هذا التشخيص يمنح المشهد بعدا نفسيا عميقا  إذ يصبح انقطاع المطر معادلا لفقدان الأمل أو الحنان أو الإلهام.وتواصل الشاعرة بناء هذا العالم الرمزي عبر صورة الشرانق.

تقوقعتْ

وغارتْ في جحورها

الشرانق

فالشرانق ليست رمزا للموت بل للحياة المؤجلة. إنها تنكمش انتظارا لزمن أكثر ملاءمة  ولذلك تتجاوز القصيدة منطق الاستسلام إلى منطق الترقب  وهو ما تؤكده عبارة:

تترقب ربيعا آخر

تنبثق فيه

شرارة من روحها

فالربيع ليس فصلا من فصول السنة بل لحظة بعث داخلي  والشرارة هي الطاقة الكامنة التي لم تنطفئ رغم قسوة الجدب.

وتبلغ القصيدة ذروتها الفكرية في رفضها التسليم بدورات الزمن التقليدية  إذ لا تستجيب الشرانق لخريف (كهل ) لأن الخريف في رؤية الشاعرة لا يحمل وعدا وإنما.

يحتفي برمق النهايات

وهذه عبارة موفقة تختزل فلسفة كاملة  فالخريف هنا ليس مرحلة انتقال  بل احتفاء أخير بما تبقى من الحياة قبل الأفول. ويزداد هذا الإحساس قتامة مع صورة الشتاء الذي:

تختل لديه موازين الارتواء

جارفا دون وعي

حلما

فالشتاء  الذي اعتادت القصيدة العربية أن تجعله بشير المطر  يتحول هنا إلى قوة عمياء تجرف الأحلام بدل أن تنبتها في انقلاب دلالي جميل يكسر التوقع ويمنح النص خصوصيته.

وتأتي الخاتمة لتفتح نافذة الرجاء:

ربيعا إذن أرتجي

علَّ سمائي

تمنُّ علي فيه

بقطيرات بر

هنا تبلغ القصيدة أصفى لحظاتها. فالرجاء لا يتعلق بالغيث وحده  بل بـ (قطيرات بر) وهو تعبير يجمع بين المطر والقيمة الأخلاقية وبين الارتواء المادي والروحي.

وكأن الشاعرة تؤكد أن الإنسان لا يظمأ إلى الماء وحده  بل إلى الرحمة  والوفاء والاحتواء.

فنيا  اعتمدت كوثر القريشي على قصيدة النثر ذات النفس التأملي  حيث تتكئ على الصورة أكثر من الحدث  وعلى الرمز أكثر من التصريح.

كما حافظت على وحدة الحقل الدلالي المرتبط بالطبيعة.. المطر  ..الشرانق الربيع ..الخريف ..الشتاء.. السماء لتجعل هذه المفردات لغة موازية للنفس الإنسانية  وهو ما منح النص تماسكا عضويا وانسجاما إيقاعيا.

إن (جدب) ليست قصيدة عن الفصول وإنما عن الإنسان حين يتناقص داخله المطر وحين يظل  رغم كل الخيبات محتفظا بشرنقة الأمل  مؤمنا بأن الربيع الحقيقي يبدأ من الروح قبل أن يبدأ من السماء.

وفي هذا التوازن بين الألم والرجاء  وبين الانكسار والإيمان بالانبعاث  تكمن القيمة الجمالية والفكرية لهذا النص.

“.. نص قصيدة “جَدْب

شعر/كوثر نجم القريشي

عندما قرر

أن ينحسر عن سمائي

المطر

تقوقعتْ

وغارتْ في جحورها

الشرانق

تترقب ربيعاً آخر

تنبثق فيه

شرارةٌ من روحها

 

لن تستجيبَ لخريفٍ كهل

مادام فيها لبٌ نابض

فالخريف

-رغم اقتراني بأيلوليته

يحتفي برمَقِ النهايات

 

ولا لشتاءٍ

تختل لديه موازين الارتواء

جارفاً دون وعي

حلماً تساقط ذات خريف

أو أملاً تشبث بوعدِ شوكة

 

ربيعاً إذن أرتجي

علَّ سمائي

تمنُّ علي فيه

بقطيراتِ بِر

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours