خرافة الذكاء الاصطناعي

خرافة الذكاء الاصطناعي 

نقد الاسطورة الرقمية الكبرى 

للكاتب والشاعر إيهاب عنان سنجاري 

بقلم / هيڤي الملّا – نمتار

عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي لانطرح قضايا ومواضيع متعلقة بالجانب التقني ومدى طغيان سطوة الآلة وتدخلها في الكثير من مفاصل حياتنا فقط، بل يتعدى القصد إلى الوعي والعقل والهوية والإدراك والمعنى و امتداد أحلام الإنسان الأسطورية  إلى الحاضر بثوبٍ عصري ،متمثلةً بالبيانات و الخوارزميات والروبوتات، 

الكاتب والباحث المختص في الذكاء الاصطناعي إيهاب عنان يقدم لنا في كتابه “خرافة الذكاء الاصطناعي، – نقد الأسطورة الرقمية الكبرى” حلولاً مفتوحةً على الكثير من إعمال العقل والتفكير ورسم الحدود المعقولة بين الإنسان والتقنية، نحو قدرةٍ أعمق وفهمٍ أوعى في استيعاب المشهد الذي يطغى عليه الذكاء الاصطناعي والأسطورة الرقمية.

الباحث لا يعلن حرباً ضد الآلة ولا يطلقُ صفارة معركةٍ للاقتتال بين الإنسان والتقنية، بل يشير أن الذكاء الاصطناعي أداةٌ قويةٌ للبحث العلمي وتوفير الوقت و المعلومات وتسهيل البحث والاستكشاف، ولكنه واضحٌ في توجهه ووعيه النقدي وصفوة قوله. إنّ الآلة مبرمجةٌ وفق بيانات يزودها بها الإنسان، وكل تحيز يصدر بالنتائج، هي نتيجةُ بيانات منحازة في أصلها ،وكلُ تفريقٍ بين الناس حسب اللون أو الجندر أو الانتماء ،الإنسان وبياناته والخوازميات التي يزوّد بها التقنية هي السبب، فهو من يظلم نفسه مُكرراً ظلماً تاريخياً ولكن بلباس تقني عصري. 

فالآلة لم تعايش الظلم الاجتماعي ولا شهدت التفرقة الجندرية بين الذكر والأنثى ولاعاشت تجربة ومعاناة حقيقة ،وهي فقط تتعامل حسب مايتوفر لها وما يتراكم عندها من خوارزميات. 

،وهنا نتوصل لحقيقةٍ مؤلمةٍ مفادها إنها لاتعيد تشكيل هوية الإنسان ليكون نسخته الأفضل والأقدر على الإبداع بل إعادة إنتاج الظلم المُمارس عليه. 

في “خرافة الذكاء الاصطناعي – نقد الاسطورة الرقمية الكبرى” ينوهُ الكاتب على ضرورة إعادة ضبط اللغة والحذر من التعامل مع المصطلحات وعدم تحميلها مالاتطيق من معنى ووظيفة، فمن توظيف المصطلحات بدقة، تبدأ عملية فك الوهم والتحرر من التضليل المقصود الذي يهدف لإزاحة المسؤولية عن الإنسان والسلطة والجماعة التي تعتبر اللغة درع حماية لها. 

الجميل والمفيد في هذا الكتاب أنه مختلفٌ عن كونه فن أدبي نستمتع بهِ بقدر إشارات الاستفهام والخاتمات المفتوحة على اللاشيء كون الحياة متغيرة والإنسان نفسه متقلبٌ ، ولا يمكن رسم نمط ثابت لقناعاته وتوقعات مستقبله ، لكن في خرافة الذكاء الاصطناعي نجدُ إنصاف الإنسان بكل مايملكه من حسٍ شعوري وإبداعٍ ،نعم هناك تقنية نقفُ أخلاقياً على مفترق طرقٍ منها ونحتاج إلى مختصين و ذوي خبرة ودراية يفصلون لنا مدى التداخل المفرط بين التقنية والأخلاق وامتدادها إلى َموضوع الحرية المنزوعة قسراً عبر تحركاتنا المعروفة من الهواتف الذكية و مشترياتنا واتصالتنا حتى تفكيرنا بالبضاعة التي نسعى لاقتناءها، والمؤلم هو التخلي عن الخصوصية التي باتت مقبولةً اجتماعياً شأن التنازل عنها ،فكانَ ملفتاً أن يحددَ لنا الباحث بعقليةٍ مختصة ودراسة أكاديمية ممنهجة السبل التي يمكن عبرها الحفاظ على مسافة الأمان والحرية والأخلاق في عصر الرقابة الرقمية. 

لم يستنثي الباحث حديث الفلسفة لأنها العلم الأقدر على التفريق بين المظهر والجوهر والعقل الذي ينفرد به الإنسان دون الآلة، و رغم الضجيج وجلبة المدافعين عن الوعي الصناعي، ينفردُ الباحث بتحليل ومساءلة الأفكار والمعتقدات التي تحيط بالذكاء الاصطناعي والتي تُقدم وتُروج وكأنها قوى خارقة حيث يعيدها إلى حجمها الطبيعي ،وهو هنا لا يرفض الأسطورة الرقمية بل التعامل المفرط معها باعتبارها ليست قوة سحرية مطلقة، وكل السحر والبيان والإبداع هي صفاتٌ إنسانية بحتة، مهما أُطلِق على الذكاء الاصطناعي مثيلاتها مثل الذكاء – الوعي – تعَّلُم – شبكة عصبية َ. فهم. 

ومهما تمكنت التقنية من محاكاة الإنسان ،لكن لن يمكنها محاكاة تجربة داخلية ومجاراة تفكير نقدي وذكاء عاطفي،

 قد يمهد هذا النظام التقني الجديد وهذا التغول المحاط بالذكاء الاصطناعي لظهور وظائف ناشئة وتجديد هوية بعض الأعمال، ولكن يشدُّ الباحث تركيزنا دوماً إلى العقول البشرية و الإبداع الإنساني، لأن الإنسان هو مهندسُ الحياة الحقيقي بكل تفاصيلها الحية التي تقتضي مشاعر وضمير حي وأخلاقيات للتعامل معها.

 

ركزَ الكاتب والشاعر إيهاب عنان على دور الإعلام الذي يُضخم ويُشرعن الوهم، ذاكراً إنّ الإنسان ومنذ التاريخ يريد أن يصنع نداً أو خادماً يحقق رغباته ،ولكن دون توخي حذر أن ينقلب عليه، وبالفعل هذا مايحصل. 

دعونا نسأل أنفسنا وهذا ماتولده قراءة هذا الكتاب والمرجع الهام الذي يجب أن نضمه لمكتباتنا ،

لماذا نستقبلُ الوهم ،ونحن ندرك أنّه وهمٌ ؟

لأن عقلَ الإنسان مستعدٌ وجاهز لاستقباله ،لأننا ومتذ التاريخ تعودنا إضافة صفاتنا البشرية على الأشياء وإضافة استعارات من طينتنا الإنسانية على الآلة ،وهذا بدوره يقودها لمفهوم الأنسنة الذي وقف عنده الكاتب ملياً، كمفهومٍ ثقافي وفلسفي يضع الإنسان في البداية والمركز، مؤكداً على قيمته وقدرته على الإبداع، فيكشف وللأسف عن هشاشتنا الإنسانية. 

كتابٌ هامٌ بل مرجعٌ ركزتُ في مناقشته ومن خلال حواري مع الكاتب المختص في الذكاء الاصطناعي  إيهاب عنان ضمن مناقشة كتابه وحفل توقيعه في نادي المدى للقراءة – أربيل على ضرورة اقتناءه بل تدريسهِ لجيلنا الشاب الذي يتكأ على صداقة الذكاء الاصطناعي مناقشاً إياه عما يريد أكله وارتداءه وقد يشكي له همه متتظراً حلاً ،كم طفلٍ اليوم يُحادثُ البرامج الناطقة ويغضب إذا لم تواءم أجوبة استفسارته هواهُ وذوقه ،

يضعنا المؤلف في فوهة سؤال تشظى لمئات الأسئلة وضع جميع خيوطها في يدنا بامتلاك الوعي النقدي ورفض الوهم وتقدير المسافة بيننا وبين التقنية. 

لانريد أن نصل إلى زمنٍ نقول فيه : كان العقل البشري أول ضحايا الذكاء الاصطناعي، ونحن نمتلك باحثين مختصين يجهدون لرسم مسارات دقيقة تحفظ هويتنا ووعينا دون انصهارها في بوتقة خرافة الذكاء الاصطناعي.

نعم سماها الكاتب خرافةً لكسر الوهم والتصورات المحيطة بها، ليساعدنا هذا الكتاب كمرجع عام لفهم الوعود المبالغ فيها وتفسير خوفنا من الأساطير الشعبية وفك الغموض الذي يلف التقنية. 

لم يعدنا المؤلف رغم الماجيستر الحاصل عليه في الذكاء الاصطناعي بزرع القيم في نظامٍ وجعله يمتلك طاقة شعورية وأخلاقية ،بل آمن بالقيمة الموجودة داخلنا، آمن بقدرتنا على اتخاذ القرار الذي يكون صحياً بقدر مشاركتنا فيه لا بقدر الضجيج المُفتَعل حوله. 

ومن هنا لفت نظرنا ومن خلال لغته العلمية المغلفة في كل خلاصة بنكهةٍ أدبية حيث مررَّ الكثير من الأمثلة وساقها في مواطن عدة ولكن بسياقات وتوظيفات مختلفة، عسى الفكرة تصل بأمانة. 

الذكاء الاصطناعي نعمةٌ لانقمة ،لكن لاتنسوا أن تضعوا أيديكم على قلوبكم  وعقولكم وتتحسسوا أرواحكم وأنتم تستعملونه لأنكم الحقيقة التي لايشوبها شيء، ومهما ضفتم عليها من ذواتكم، لن تمتلك فهمكم الحقيقي ووعيكم وتجاربكم الداخلية. 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours