نمتار / حسن عبدالحميد
أدّعي أني شاهدت هذه اللوحة،ربما لم أتفرّس بتفاصيلها مليّاً-حيذاك- أي منذ قرابة ثلاثين عاماً،حين كانت معلقةً تزهو مع مجموعة أعمال لعدد من الفنّانين التشكيليين الكورد،في صالة “فندق أشتي”الكاىن في قلب مدينة السليمانية،يومها.
كان ذلك الفندق الجميل يُعد من أشهر وأهم الفنادق، ولكي أكون دقيقا وأنا أستحث ذاكرتي عائداً بها نحو تلك السنوات التي مرّت سريعةً ،أيام كُنا قد نظمنا معرضاً لعدد من التشكيليين العراقيين من بغداد وباقي المحافظات العراقية،تلبية لدعوة وإستظافة عدد لافت من الفنانيين المبدعين من الاسماء الفاعلة والمعروفة، ممن تسامت في الإسهام بهذه الدعوة الكريمة،التي دعت اليها قاعة “زاموا” للفنون وبالتنسيق و التعاون مع قناة كورد ـ سات الفضائية،حيث كنتُ أعمل بالقسم العربي فيها،مُعدّاُ ومُقدّماً للبرامج الثقافيّة والفنيّة ابان عام التغيير في العراق نيسان/2003،
من هنا،ومنذ ذلك التأريخ تعمّقت عُرى علاقتي بالعديد من الرساميّن والنحاتيّن والخزافين الكورد،على نحو قريب ومتواصل وفعال ، ولعل من أبرزهم كان، وفي مقدّمتهم المبدع الحقيقي،الخالص الروح والتوّجهات محمّد فتاح، المعروف بنشاطه و دأب متواصله وحريصه على نحت أفاق وأمتدادت تجربته الخصبة والثريّة،وصولاً لما هي عليه -الآن- من حضور بارز ،راسخ،مؤثر وأصيل في خارطة التشكيل العراقي،بل وعموم المنطقة على وجه اوسع.
بعد هذا وكل ذاك ،ما حكاية اللوحة، التي أدمعت عيون محمّد فتاح من اجلها حال عودتها إليه،مثلما أفرحته في ذات الشعور واللحظة والحنين الدافء ؟! يعود تأريخ رسم تلك اللوحة للعام/1997،على اثر طلب من قبل إستاذهم الرّسام الرائد “علي جولة” أحد أهم الاسماء اللامعة في ساحة التشكيل الكوردي في السليمانية،له مع مجموعة من الرسامين الشباب بلغ عددهم بحدود عشرة فنانين،للمشاركة برسم أعمالٍ،كانت إدارة فندق أشتي قد كلفته بتنفيذ هذا المشروع لتوزعها و تعليقها في صالة أروقة ودار ضيافة الفندق.
يقول “محمّد فتاح”واصفاً إستاذه” علي جولة” بالفنّان الباذل، الكريم بعمق وطريقة تعامله الابوي مع الاجيال اللاحقة من الرسامين،الى جانب حبه للخير ،و ثم اعطاء فرصة للشباب الواعد متمثلاً بدعوة المتميزين منهم بغيةالمشاركته بهذا المشروع، ومقابل ثمن حددته،- اكيد- ادارة الفندق.
لم تنته الحكاية عند هذا الحدّ ، فقد دارت الدنيا،وتغيّرت الاحوال و الأيام، بل وحتى التطلعات و الاحلام وطبيعة التجارب لكل فنّان منهم،كما وتغييرت ديكورات الفندق المذكور واثاثه ،بتغير الاحوال و توالي الظروف،وعند تناهي إلى مسامع محمّد فتّاح عبر طريق صديق اتصل به،منذ أيام قليلة، يُخبره عن وجود عرض لأعمال فنية للبيع،يحتمل ان تكون أحدى اعماله بهذا المزاد الواقع في منطقة مزدحمة،مكتظة بالباعة والناس من جميع فئات المجتمع يُعرف ب “سوق المزاد” الشاخص و المعروف في السليمانية العريقة،وبعد كشف وفحص وتقليب وجد محمد فتاح ضالته،واقفا..حائرا ..مبهورا،أمام البائع الذي طالبه بمبلغ كبير- نسبيا- قياسا بأسعار تلك الفترة التي انجز بها العمل،واصفا حالته بهذه اللحظات الغارقة بالشوق والحنين واللوعة،كما حالة أب كان قد فقد أبنه منذ سنوات طويلة، وعثر عليه الان!!.. للحق يصعب علي تلخيص صدق مشاعر واحاسيس محمّد فتاح حيال نشوة حقيقة ما حدث و روى وحصل،ساعة هاتفني يزف لي خبر وقصة لوحته، التي كان سيدفع من اجلها اي مبلع باستطاعته دفعه..شرط ان تعود اليه، يقينا أحسب ان ذلك البائع البرئء لم يكن يعرف- حتى الان- هذا الشخص الذي اشترى هذه اللوحة الثمينة لدى رسامها ..
رابط فيديو لقاء الفنان : محمد فتاح





+ There are no comments
Add yours