قصيدة تكتب بالحبر.. لكنها تقرأ بوجع المكان ومرارة الغياب

نمتار/ أكرم توفيق

تنهض قصيدة (عِشق السواد) للشاعر حسن عبد الحميد على بنية وجدانية كثيفة تتشابك فيها الذاكرة الشخصية مع الإحساس الجمعي بالوطن لتنتج نصاً يراوح بين الحنين والخذلان وبين نشوة العشق ومرارة الفقد.

منذ المطلع يختار الشاعر فضاءً استرجاعياً واضح المعالم (نهاية الجسر القديم .. قبالة تلك الشجرة الهرمة .. بمحاذاة تمثال الأمومة) وهي مفردات ليست محايدة بل محمّلة برمزية زمنية عميقة.

فالجسر يوحي بالعبور والانفصال والشجرة الهرمة تشير إلى شيخوخة الذاكرة بينما تمثال الأمومة يختزن دلالة الحنان الذي طالته يد النسيان.بذلك يؤسس النص لثنائية المكان/الذاكرة بوصفها مرتكزاً شعرياً أولياً

في المستوى العاطفي يشتغل الشاعر على تفكيك صورة الحب التقليدية ليعيد تركيبها ضمن سياق مأزوم.

فالعشق هنا ليس صفاء مطلقاً بل تجربة مشوبة بالشك والانكسار (نخاصم ضحك المرايا حين تخون ). المرايا بوصفها أداة انعكاس تتحول إلى كيان خائن ما يعكس أزمة الثقة ليس فقط بين العاشقين بل بين الذات وصورتها.

هذه الانزياحات الدلالية تمنح النص طابعاً حداثياً حيث تتقوض العلاقات المستقرة بين الدال والمدلول.

اللافت أن الشاعر يُحمّل الذاكرة طاقة حسية عالية إذ تتحول اللحظات الماضية إلى كائن حي نابض (دمعنا .. ذات سخاء من ليل شتاء فاض دفئاً

هنا تتجاور المفارقة (الشتاء/الدفء) لتكثيف التجربة الشعورية وهو أسلوب يعكس وعياً بلاغياً يقوم على التضاد المنتج للمعنى لا التزيين اللفظي فقط.

أما في المقطع الأوسط فينفتح النص على أفق وطني واضح حيث تتداخل صورة الحبيبة مع صورة الوطن في بنية إسقاطية شفافة. فـ (بلاد لم تقم وزناً لمن فارق ظلّه) ليست مجرد مكان بل كيان قاس يلفظ أبناءه بينما يتحول العاشق إلى كائن منفي داخل جغرافيته الخاصة.هذا التداخل بين الذاتي والوطني يمنح القصيدة بعداً إنسانياً أوسع ويخرجها من إطار الغنائية الضيقة إلى فضاء التأمل الوجودي.

وتبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في المقطع الأخير حيث يتكثف حضور العراق بوصفه معادلاً موضوعياً لكل هذا الألم

.(ألفيناه هواء .. أدمنّاه روحاً .. فأدمنّا وجعاً .. وفراق )

هنا تتحول العلاقة مع الوطن إلى إدمان مزدوج .. عشق يقود إلى الاحتراق.

كما أن تكرار مفردات مثل (غربة .. اشتياق .. عطش احتراق) يرسّخ إيقاعاً داخلياً قائماً على التراكم الشعوري بما يشبه تصاعد النبض حتى الاختناق.

من الناحية الفنية يعتمد الشاعر على لغة شعرية مرنة تمزج بين الفصحى المعيارية والانزياح التعبيري مع حضور واضح للتقطيع البصري (الفراغات.. النقاط.. التوقفات) الذي يوازي التوتر النفسي داخل النص.

غير أن القصيدة تعاني أحياناً من ترهل لغوي وتكرار دلالي كان بالإمكان تكثيفه خصوصاً في بعض المقاطع التي تميل إلى الإسهاب على حساب التركيز.

 

في المحصلة تُعد (عشق السواد) نصاً مشحوناً بطاقة وجدانية عالية ينجح في تحويل تجربة العشق الفردي إلى مرآة لوجع جماعي حيث يتماهى الحبيب مع الوطن وتتحول الذاكرة إلى ساحة صراع بين ما كان وما لم يعد ممكناً

إنها قصيدة تُكتب بالحبر لكنها تُقرأ بما هو أبعد .. بوجع المكان ومرارة الغياب وحنين لا يجد خلاصه.

 

نص القصيدة …

عِشق السواد

شعر/حسن عبد الحميد

ألّتقيكَ بعيداً … بذاكَ النبضِ

وذات المكانْ

الذي زِرْناهُ …عَمّا قريبٍ

عند حافاتِ…

وَداعِنا الأخيرِ

نِهايّة الجسرِ القديم

قُبالةَ تلك الشجرةُ الهرمةْ…

بمحاذاةِ تمثالِ الأمومةِ

الذي عَفى … عليه الزمانْ

***

أذكرُ أن أقَسَمْنا – حِينِها –

بأن نُخاصمَ ضِحكَ المرايا

حين تَخونْ…

وحين تُفشي أسرارنا

مُقلِ الظنّونْ..

وأن لا نكون…

بغيرِ ضوء العيون

التي أبصرت

دَمْعنَا … ذات سخاءٍ،

من ليلِ شتاءٍ

فَاضَ دِفئاً

عاندَ الخوفَ… فِينا

بِخُوفٍ ألِفناه…ُ

أوفى … من فجّرِ عتابٍ

وأحلى من أنفاسِ عسلْ

بل..!

وأنقى مِنْ سُّكرةِ

عاشقٍ … تَاقَ سّراً

وأبتهلْ

**

بكَ أرتَمي…

بِكُلِ ما أُوتيتُ

مِنْ شهيّة عِنادٍ

لبلادٍ … لم تَقمْ وَزنّاً

لِمَنْ فَارق ظِلّهُ

على حينِ نَدمْ

أو … توّغل عابراً

شَوكَ مَماشيها..

ليلَ دُروبِها…

مَلاعبهِا…

أفراحهِا…

كِدرَ أحزانها..ِ

مَراثيها…

ولكأن … العُمر شَاخ

في أبهى مَرابعهِا…

وأنْسلَ خيطٌ شاحبٌ

من أوهام ماضيها!!

**

أتوقُ لِمن يَدنوُ

رُفات الروحِ…

تَلّهوُ في مُنعَطِف الطريق

المُؤدي … لِجُرحِ سؤالٍ

خَاصمَتهُ الأماني

وأعَيّتهُ الإجابةْ

و أرّتدتْ وشاح غُربَتهِ

بغدٍ … مُستحيل

حتى توارى … مَسافةُ طيّفٍ

أقفُ متمردا…غَضِباً

مُدّمناً ضَجري

تلك عَلامة المغيبِ

الفارقة… في لُجَجِ الّسماءِ

وغياب أهلّتهِا الدامعة

بضوءٍ … يَكادُ يكون يَتيماً

من هولِ مَرارةِ أعيادِنا

في البُعد…

ومن نّارِ غربة…

التلِّويحُ بالأمس

و آسى الدرس…

مِن خذلانِ حَنِين

**

الشّكُ… ماثلٌ في أنين مَلّاّمِحها…

أنثاي  صبيةٌ  كّانتْ… و كَما

عُمرِها… كنا نَلوذُ

بالشّمس والظَّل

وما تُخبّأ لنا الأيام

من دفء سعادات…

و أشواق مَطر

بنسائمَ من وجِلٍ أبيض

و خَجلٌ … يّحمّرُ وجَناتْ

الخوف… عنيداً

و سُّرعان ما يَغمُرنا

بِشهيقٍ من رائحِة

الترياق…

وعطرٍ نشمّهُ

حَرّفاً يُكاتفُ حَرّفٍ

ليغفو…على أكتافِ

عراق…!

ألفناه هواءً

أدّمنّاهُ رُوحاً … فأدّمَانَا

وجعاً… وفراق

غُربةً … واشتياق

عطشاً

و أحتراقْ

يااااا… وّهجَ كُل الشّوقْ

ياااا سِحّر… هذا الطوقْ

أجِّرنّاك… تَجمَعُنا…

مِنْ جِور عَصِفْ

ما ضَاقتْ بنا …الأحداق

فانفرطنا  كما  عِقدٍ

في جِيْد فاتنةٍ ، صبيًّةٍ

هاَلها نَزقِ ارتباك…عَذِبٍ

من أجيجِ قُبلةٍ نارٍ…

تراءت … بلاداً

على صلواتِ عناد

من ثَرَى… ليلٍ

تّهاوت كَواكِبهُ…

حَطباً

على أرض السواد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours