نمتار / محمد صالح البدراني
حين كتب الروائي الإسباني ميغيل دي ثيربانتس دون كيشوت، لم يكن يقدم حكاية ساخرة عن فارس عجوز فقد عقله فحسب، بل كان يكتب واحدة من أعمق الروايات التي تناولت مأزق الإنسان مع الوهم والحقيقة، لقد أدرك مبكرًا أن الإنسان لا يعيش داخل الواقع وحده، بل داخل الصور التي يصنعها عن نفسه وعن العالم.
تبدأ الحكاية برجل بسيط يدعى ألونسو كيخانو الطيب، يفرط في قراءة كتب الفروسية حتى يختلط عليه الخيال بالحقيقة، ما أكثرهم اليوم وهم يتعاملون مع تخريب الواقع من اجل نبوءات مزعومة يلبس درعًا صدئًا، يمتطي حصانًا هزيلًا، ويقنع نفسه بأنه فارس عظيم خرج لإنقاذ العالم من الشرور؛ لكنه، في الحقيقة، لم يكن يرى العالم كما هو، بل كما يريد أن يراه، الإنسان أحيانًا لا يكذب على الآخرين بقدر ما يوهم نفسه.
حين رأى دون كيشوت طواحين الهواء، تخيلها عمالقة أشرارًا يجب القضاء عليهم، اندفع نحوها بحماسة بطولية، بينما كان خادمه سانشو بانزا الحالم بمقاطعة يهديها له الدون كيشوت لاحقا، يحاول إقناعه بأنها مجرد طواحين عادية، لكن الفارس لم يكن قادرًا على رؤية الحقيقة، لأن الوهم حين يسيطر على الإنسان لا يعود يسمح له بسماع الواقع.
المشهد يبدو ساخرًا، لكن الكثير من البشر بل دول وساسة يخوضون معاركهم بالطريقة نفسها؛ يحاربون أوهامًا صنعوها بأيديهم، ثم يندهشون من النتائج المؤلمة، حين تعلق رماحهم بأذرع الطواحين فتلقيهم مكسرة عظامهم، هكذا كانت حروب الخليج المتتابعة عندما يتخيل صانع القرار أن المجد في معركة لا معنى لها، أو أن قيمته مرتبطة بصورة مثالية رسمها لنفسه، أو أن العالم كله يتآمر ضده، بينما تكون المشكلة الحقيقية كامنة في نظرته الخاصة إلى الأشياء.
دلائل
ومع ذلك، لم يكن دون كيشوت مجرد رجل مجنون يفتقد للدلالة، لقد كان يمثل تأثير الوهم على الإنسان؛ واقعنا فيه الكثير من هذا النموذج وربما يحكمون مصير البلاد والعباد، فهنالك من يحمل يحمل في داخله شيئًا من دون كيشوت وشيئًا من سانشو بانزا.
سانشو، خادم الفارس، كان يمثل الجانب العملي المرتبط بالأرض والواقع، كان يرى الطواحين طواحين فعلًا، ويرى المخاطر كما هي، لكنه في الوقت نفسه كان عاجزًا أمام سيده، أما دون كيشوت فكان يملك الخيال والشغف والطموح، وفاقد القدرة على التمييز بين الحلم والوهم في نفس الوقت هما شخصيتان ممكن أن تمثلان النزوة والخضوع، وممكن أن تمثلان النرجسية والنفاق وممكن أن يكون الدونكيشوت طاغية أو متجبر مختل، ويكون سانشو دول ارتضت التبعية والاستصغار.
إنساننا اليوم
فالإنسان الذي يعيش مثل سانشو وحده قد يتحول إلى كائن عملي بلا روح، لا يرى في الحياة سوى الحسابات الصغيرة والمصالح اليومية، أما الإنسان الذي يعيش مثل دون كيشوت وحده، فإنه قد يغرق في عالم من الصور الخيالية وينفصل تدريجيًا عن الواقع.
هذه الفكرة تبدو أكثر أهمية في عصرنا الحديث، فالعالم اليوم مليء بطواحين جديدة، لكنها ليست مصنوعة من الخشب والهواء، بل من الصور الإعلامية، والضجيج الرقمي، والمعارك الوهمية على شبكات التواصل، أصبح الإنسان يطارد اعتراف الآخرين، ويقارن حياته بصور مصطنعة، ويعيش أحيانًا داخل عالم افتراضي أكثر من عيشه داخل واقعه الحقيقي.
إن أخطر ما يفعله العصر الحديث ليس خداع الإنسان بالمعلومات الكاذبة فقط، بل إغراقه بالصور إلى درجة يفقد معها القدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف، وهنا يعود دون كيشوت من جديد، لا بوصفه شخصية قديمة، بل بوصفه رمزًا دائمًا للإنسان حين يضلّ صورته عن العالم.
تخيل الصورة والواقع
علاقة دون كيشوت بحبيبته المتخيلة دولثينيا تحمل دلالة عميقة، فهو يحب الصورة المثالية التي صنعها لحبيبته في ذهنه، وهذه إحدى أكثر الصفات البشرية شيوعًا؛ أحيانا تختلط الحقيقة بالوهم ونصنع في خيالنا ما لا واقع له، لكن السؤال هل يخطئ الإحساس أم الإنسان يصبح خارج المنطق عندما يعانق الحلم الوهم وتصبح الطرق غير واضحة لإدراك الحقيقة ولا يستطيع أن يبت بالأمر لوحده فالحقائق كما هي غالبا مؤلمة، وعندما تصطدم الصورة بالواقع تبدأ خيبة الأمل.
ويستيقظ كيخانو الطيب من أوهامه أخيرًا، ويدرك أنه كان يعيش داخل عالم متخيل، تلك لحظة مصالحة مع الحقيقة بفعل الألم عندما يتملك الإنسان إحساس وجودي بالحب لدولثينيا وتكون محور فعله وحركته، وكأن ثيربانتس يريد القول إن مطاردة السراب قد تبدو حقيقة وتضيع سنين العمر، لكن مجرد امتلاكه الشجاعة للاعتراف بذلك يجعله أكثر نضجًا.
الكوميديا الحكيمة:
رواية دون كيشوت أكثر من مجرد قصة فكاهية، إنها رواية عن الإنسان نفسه؛ عن حلم ووهم، وأوهام نراها واقعا يدير حياتنا كأمم وأفراد واقتصاد وحرب وسلم عندما يقود الحالمين، فلا يرون غي الفرصة لتحقيقي ما في ذهنهم، وهي تذكرنا بأن المشكلة ليست في أن نحلم، بل في أن ننسى الفرق بين الحلم والحقيقة، دولثينيا ليست أنثى فقط وإنما هي الرسالة التي من أجلها يكون الجهد والتضحية.
نحن كشعوب في منطقة فقد رسالتها ولم يعد لها مشروعا وأضحت فرشاة ولوحة ترسم عليها مشاريع الآخرين، عندما يأتي الدونكيشوت، حتما هم سيأخذون دور سانشو من اجل مقاطعة يحكموها، لا يملك المغامر القادم أن يعطيها لهم حقا، وهل يملك الأرض إلا من يفلحها.


+ There are no comments
Add yours