دون كيشوت بين الحلم والوهم: قراءة فلسفية في الإنسان والواقع..سانشو بانزا وخوف الإنسان من الحرية / الجزء الثاني

نمتار / محمد صالح البدراني

في رواية دون كيشوت، يبدو سانشو بانزا في البداية مجرد خادم بسيط يرافق سيده المجنون في مغامراته العبثية، لكنه في الحقيقة يمثل جانبًا عميقًا من النفس البشرية؛ جانب الإنسان الذي يخاف الحرية ويفضل الاتكال على غيره بدل مواجهة الواقع وحده.

كان سانشو يعرف أن سيده يعيش داخل الأوهام، كان يرى الطواحين طواحين فعلًا، ويرى الحانات حانات لا قصورًا سحرية، ومع ذلك استمر في السير خلف دون كيشوت. لماذا؟ لأن الإنسان أحيانًا لا يتبع الوهم اقتناعًا به، بل خوفًا، أو دولة وقادة بلا مشروع ورؤية.

لقد وعده دون كيشوت بجزيرة يحكمها يومًا ما، وكان هذا الحلم البسيط كافيًا ليجعله يتحمل التعب والجوع والضرب، وهذه الفكرة ما تزال حاضرة في حياة البشر حتى اليوم؛ فعندما يكون ضمان استقرار الحكم في الدول من قوى عالمية وليس من الشعوب يحضر سانشو، والإنسان عموما يتعلق أحيانًا بوعود بعيدة وغير واقعية، فقط لأنها تمنحه أملًا يخفف من مخاوفه أو قسوة الواقع عليه.

إن أخطر أنواع التبعية ليست السياسية فقط، بل الفكرية والوجودية أيضًا. حين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على التفكير المستقل، يبدأ بالبحث عمّن يقرر عنه، ويفسر له العالم، ويمنحه شعورًا بالأمان. وهنا يتحول العقل إلى تابع، حتى لو بدا صاحبه حرًا من الخارج.

وفي عالمنا الحديث، لم تختفِ شخصية سانشو بانزا، بل تغير شكلها فقط. يمكن رؤيتها في الإنسان الذي يكرر الأفكار الجاهزة دون تفكير، أو الذي ينتظر دائمًا منقذًا يأتي من الخارج، أو الذي يسلّم وعيه بالكامل للضجيج الإعلامي والخوارزميات والصور السريعة.

إن الإنسان المعاصر يعيش وسط كم هائل من المعلومات والآراء، وهذا يجعله أكثر ميلًا إلى الراحة الفكرية، فبدل أن يبحث بنفسه عن الحقيقة، يكتفي أحيانًا بترديد ما تقوله الجماعة، وهكذا تصبح التبعية مريحة؛ لأنها تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير.

ودوما يحضرني قصة سؤال وجه حقيقة أو افتراضا إلى عبد زمن العبودية في أمريكا لتبيان الحلم عند الحر وكيف يفكر العبيد، قيل له ما تفعل لو أعطيناك ألف دولار الآن، وكان الدولار الواحد نادرا ما يمكن أن يرى كورقة فما بالك بألف دولار، فأجاب ببساطة، سأشتري سيدا يعاملني بلطف…. ولنتخيل المعاني الكثيرة التي تحملها جملة العبد هذا، من ظنه أن السادة يباعون ويشترون كما هم العبيد، ولكن ليكونوا سادة يفكرون ويأمرون، انه لا يريد أن يفكر وإنما يريد حلمه أن يجد سيدا بعامله بلطف، وسيبقى يخدمه رغم انه اشتراه ومنحه الأموال.

لكن الرواية لا تجعل سانشو شخصية ضعيفة بالكامل، ففي كثير من اللحظات كان أكثر حكمة من سيده، وأكثر قدرة على رؤية الواقع، وهذا ما نراه واقعا على الأرض، فهنالك أموال تمنح لقوة تمتلك مشروعها، يشترون السيد ليبقيهم على كرسي هم مالكيها أصلا، بدل أن تمنح هذه الأموال للشعب فيكسبون مودته، فالسيد يشترى لتبقى في خدمته ومشروعه وليس لخدمتك ومشروعك، العلاقة دوما تغيب الفلاح مالك الأرض، سانشوا لا يستطيع العيش بلا سيد كل ما في الأمر يريد أن يعامله بلطف.

الحرية قيمة

المشكلة أن الإنسان إذا عاش مثل دون كيشوت وحده غرق في الوهم، وإذا عاش مثل سانشو وحده فقد القدرة على التغيير، لذلك تبدو الرواية وكأنها دعوة إلى التوازن؛ أن يحتفظ الإنسان بحلمه، لكن دون أن يتنازل عن استقلاله العقلي، وهذا لا واقع له بل مثالية لا تتحقق دون توازن المشاريع والأمل والطموح الذي يدفع إلى المسار الإبداعي، فالحرية لا تمنح بل هي تعيش في الإنسان إلى أن يقتلها، ومنطقتنا هي موطن المدنيات والحضارات الفكرية، وموطن القيم والفروسية كأخلاق، بيد أنها بددت، وأضحينا نتحدث إن غابت بريطانيا فمن يسد محلها فطمأن القوم بعضهم أنها الولايات المتحدة، وان افلت الولايات المتحدة من يسد فراغها ، فيشير الناس إلى دول عدة ليس فيها دولة من دولهم ولا كرسي من كراسيهم، نحتاج فعلا أن نكون أحرارا من ظلام انفسنا وظلمنا لها ومعاملتنا لأنفسنا بلطف.

فالحرية الحقيقية ليست مجرد رفض للآخرين، بل القدرة على التفكير المستقل وتحمل مسؤولية الاختيار، وهذه هي المهمة، لأن التفكير الحر وان كان مرهقا فهو جميل، ويضع الإنسان على مواجهة الحقيقة دون أعذار خادعة.

تبقى شخصية سانشو بانزا حية حتى اليوم؛ لأنها تمثل الإنسان العادي والقائد الذي يعرف الحقيقة أحيانًا، لكنه يتردد في السير وراءها لأنها تتطلب شجاعة أكبر مما يملك.

لا تبدو رواية دون كيشوت مجرد قصة عن فارس وخادم، بل عن الصراع الدائم داخل الإنسان نفسه: بين حاجته إلى الحلم، وإمكانية تغلب الوهم ومناداته بالحرية وخوفه من الحرية أيضا، ورغبته المستمرة في إيجاد معنى لحياته وان فقد أحيانا صلته بالواقع

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours