
مروان عبد العال
روائي وكاتب فلسطيني
تحية طيبة إلى الأفاضل في دار د. سعاد الصباح للإبداع، إلى كل من منحنا «يوم الوفاء»؛ هذه النافذة الفكرية للاطلاع على فضائكم الرحب. من واقع الإيمان بالقول المشهور للكاتب أمبيرتو إيكو: «الحقيقة تحلو أكثر عندما تكون محفوفةً بالصعوبات الشائكة، والسر يعجبنا أكثر عندما يصعب علينا كشفه»، أجد نفسي متورطاً وفي غاية الحرج أن أكشف عن حقائق عبد الحسين إلا ما جاورته بواقعية أو عايشته في قراءات ثقافية، فقد ظل استثنائياً في فكره وسلوكه وعطائه ووطنيته. كما كان أيضاً صاحب اكتشافاتٍ واضحة في حقائق عربيةٍ وأهمها حقيقة قضية فلسطين، وكذلك في السياسات الدولية والإقليمية المرتبطة بالعدالة والكرامة والحرية الإنسانية، التي حفر فيها عميقاً وتعميقاً في الفكر العربي المعاصر، بما يمليه ذلك من محاولة السمو وتمثل قيم سياسية نؤمن بها وناضل كلٌّ من مكانه في سبيلها، كالانفتاح والشفافية والنزاهة الفكرية والأخلاقية وعدم القطع أو التمحوّر حول الذات والانغلاق عليها.
أعطى الثقافة العربية بلا حدود، خاض مساجلاتٍ في معركة الوعي والتقدم وتجديد العقل العربي، ولكن خلال الاستجابة لتحدياتٍ يطمح إليها مع كل مخلصٍ للحق والحقيقة ومن زاوية علاقته بفلسطين وقضيتها. وانشغل بعددٍ من القضايا المهمّة في حياتنا الثّقافيّة، لمفكرٍ أثرى المكتبة العربية بعصارة فكره النيّر وأسهم في تأسيس اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية، في إعادة صياغة معنى فلسطين وطرح أسئلتها في المشروع الثقافي العربي.
ذلك، لأنها فلسطين، قضيةٌ عربيةٌ وحقٌّ إنساني عادلٌ ونبيل وحقيقةٌ معيشة ضمن ثلاثيةٍ فكريةٍ وإنسانية وعملية، وأهميتها أنها تستعاد اليوم في زمن فلسطين، وتستحق أن أبدأ بما قاله درويش إلى المبدع اليوناني يانيس ريتسوس:
(آه فلسطين، يا اسْم التراب، ويا اسْم السماء، ستنْتصرين..).
سؤال فلسطين والثقافة
تلاوةً عنه وعن مفاهيمه لمعايير النصر، وفرضيّة النصر، المحقّق والمؤجل، ومهما كان، فالحرب تقاس بنتائجها وبالقيمة الثقافية، أي بمدى نهوض أو استيقاظ الوعي الجمعي العربي وتحرير العقل والوعي الإنساني من السردية الزائفة والانتصار لسردية الحق والحقيقة. والتحرير يشبه عملية ولادة طفلٍ وهي عملية مؤلمة ولكن تؤدي إلى ولادة إنسانٍ جديد يسير على طريق الحرية.
وهي مناسبةٌ للبحث بالسؤال البدهي: أين الثقافة العربية مما يجري؟ من ينتصر لمن؟ الثقافة العربية تنتصر لفلسطين أم العكس؟ في خضم جدل الثقافة العربية وفلسطين ولمناسبة الاحتفاء بالمنجز، لا بالمديح، فالأجدر منّي بالإجابة هو المفكر المناضل الدؤوب الذي لا يستسلم أبداً. ولا يكف عن المحاولة أبداً، الدكتور عبد الحسين شعبان.
لماذا هو بالذات؟ ليس فقط لأنه النجفي ابن الرافدين، ابن العراق رمح العرب، حيث للمكان ذاتٌ أخرى، بعينٍ وعقلٍ وتاريخٍ ونزوعٍ وقلقٍ وفكرةٍ، وهو الأكاديمي والمثقف العضوي وسليل فكرٍ مزنّر بأسئلةٍ ومساءلةٍ وسؤال، الذي أضاف لها بالتـزامه وبإبداعه وفكره وقلمه ووقته وعطائه. وإنتاجها كقضية وحقيقة، في الواقع والتاريخ، فعرفناه يشكّل بمفرده جيشاً ثقافياً قوامه جنديٌّ واحد، أو قل: جبهةٌ ثقافيةٌ شاملةٌ واسعةٌ متراميةٌ بقيادة شخصٍ واحدٍ.
المجتمع العميق
يخوض معركة وعي الوعي من باب إعادة النظر في الثقافة السياسية السائدة في المجتمع العميق، وليس في السياسة الثقافية للدولة العميقة فحسب، موغلاً بفكره التقدمي والعروبي والإنساني في عمق المسائل لمعرفة كل قضيةٍ كيف تؤثر على المثقف. وأين تكمن أزمة الثقافة كلما تراجعت فكرة التغيير وانتكست وسائل التغيير السلمية لمصلحة قضية العنف، والعنف دفع بحركة المجتمع المدني، وبقوى التغيير الحقيقية إلى الخلف، كاشفاً عن تراجع الحواضن الاجتماعية لعملية التغيير وهي لا تكمن في الدولة العميقة فحسب. لقد أحال عبد الحسين شعبان المسألة إلى المجتمع العميق.. لوعي أسباب الفشل في زمن حروب إبادةٍ جماعيةٍ وحشيةٍ، وإبادة الشعوب المجتمعات، يرافقها إبادة الوعي والهوية والثقافة.
فكان الحجر الذي قذف به في بركة الثقافة، فاتسعت دوائر الدوامة التي أحدثتها لتتقاطع مع دوائر أخرى، ويولد كتابه: «دين العقل وفقه الواقع». تسأل في أحد حواراته الجادة، بلغة النقد التفكيكي للظواهر: هل هذا المجتمع هو فعلاً الذي عشناه ونعرفه ونزعم أننا كنا نناضل من أجل تغييره؟ أم أنه مجتمعٌ آخر؟ ظهرت المظاهر الأنانية، والسرقات، والاستحواذ على المال الخاص والعام، والتدمير، وعدم الشعور بالمسؤولية، والنعرات الطائفية والمذهبية، والنعرات الدينية العنصرية. لقد حدث نوع من الخلط، والاشتباك المجتمعي، الذي يحتاج إلى فرز، وإلى عملية بناء، قد تستغرق عقوداً من الزمان.
ترذيل العروبة
وفي مقابلةٍ شاملة أجرتْها معه مجلة الهدف الفلسطينية، تحدّث بعمقٍ نقدي عن تعويم الجوامع والقواسم المشتركة بين العرب، والمقصود بذلك ترذيل «العروبة» و»تنغيل» أي علاقة جامعة للعرب بما فيها لغة الضاد، وهو ما يمكّن «إسرائيل» من أن تكون «الأقلية» الأكثر تقدماً من ناحية العلوم والتكنولوجيا، ولاسيّما بدعم واشنطن بشكل خاص والغرب بشكل عام.
وفي جوابه عن السؤال حول مواقع الأحزاب السياسية في المشهد السياسي، قال: ثمة إرهاصات أولية على صعيد الواقع العربي والدولي علينا قراءتها بعقل منفتح ومرونة حركية ضرورية لمواصلة الكفاح لتحقيق ذات الأهداف، ولكن بوسائل جديدة تستجيب للتطوّر الكوني، فقد أظهرت الحِراكات الشعبية بعض الحقائق الجديدة التي لابدّ من دراستها والتعرف على ملامحها الأساسية، منها: ضمور دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين، العقائديين، الذين بشّروا الناس بالجنة، أو بعالمٍ يحقق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين (الآن وليس غداً)، أو ينجز حلم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، ومع الإسلاميين في ما بعد، لا على الحاضر، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في «مملكة الأرض»، بل على قيم السماء.
هكذا ظلّت الأمور تجريديةً أحياناً، فالصراع على القيم والمثل والأهداف البعيدة، تلك التي ينبغي أن تتحوّل إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة تحتاج إلى نضالٍ دؤوبٍ وأفعال وحتى لو كانت الأهداف خيّرةً ونبيلة.
ذهنية القطع
في قراءة المنهج الفكري لصاحب «تحطيم المرايا» الذي وجد أن صياغة الممارسة هي من أنبل السبل للممارسة النظرية، نجد تفسيراً لتناقض بين تغييب العقل العربي من ناحية وغيبوبة العقل العربي من ناحية ثانية، وعدم الخلط بين العقل السياسي والعقل العربي، العقل السياسي الذي تهيمن عليه فئة أو يتقولب في نصوص جامدة، فكان خياره الانحياز إلى شجرة المعرفة المورقة والخضراء دائماً، وبمنهجيته العلمية والنقدية والبحثية لتخترق الخطيئة الذهنية التي سادت العقل العربي عندما حقق تجاوزاً لمأزقين:
الأول: نقطة البداية، عندما ينظر للأحداث من لحظة النهاية وتصويرها كأنّها بداية، لقد أدرك العزيز عبد الحسين شعبان الحصيلة التاريخية لخبرة الصراع في المنطقة وعليها، لذلك لم يفعل مثل الذين فصلوا بشكل تعسفي أسباب الصراع عن نتائجه، من خلال تجاهل المقدمات التاريخية لأصل الصراع وللمشروع الاستعماري الغربي، من سايكس بيكو الذي قام لتفتيت المنطقة ولتنفيذ وعد بلفور وإقامة كيانٍ صهيونيٍ في فلسطين، وعبر المسافة الممتدة من 1948 إلى 1967 دارت حياة العرب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر حول فلسطين. وإذ جاز القول إن مجمل الفعل قبل 1967 وانطلاقاً من هزيمة 1948 قد دار حول هدفٍ محدد هو تحرير فلسطين. نقطة البداية هي تحرير العرب لفلسطين، والعدو على مسرح الصراع يسعى لتصفية الحساب مع أخطر نتائج حرب 1948، أي احتلال فلسطين لحياة العرب، ووجدانهم. صار الهدف للكيان الصهيوني هو تحرير العرب من فلسطين بعد أن كان الهدف منع العرب من تحرير فلسطين، وعليه، لذلك كانت معركة اختراق الوعي لخلق ثقافة هجينة ونظم تابعةٍ وثم مُطبّعةٍ، تلبي شروط الاستعمار وتحتجز تقدم ومستقبل وحرية شعوبنا العربية وتبقيها رهينة التخلف والتجزئة والتبعية والنهب.
والثاني: مأزق ذهنية القطع، عندما جرى القطع المنهجي بين النظرية والواقع وإخراج الحوادث عن سياقها واتجاهاتها كي نقرأ التاريخ بعدها بصورةٍ مجتزأةٍ وانتقائيةٍ دون تحليلٍ منطقيٍ وتفسيرٍ وتقييمٍ ومراجعةٍ شاملةٍ للوقائع، والالتزام بمبدأ التاريخ الاجتماعي وليس التاريخ الفردي. ليكون مكتملاً بروح القيم العليا التي تحيا بها الأمم. وكان أشد مظاهرها ضرراً، هو حبس تطورٍ كاملٍ للمجتمع، وليس الجانب الاقتصادي فحسب الذي حظي بالعناية المطلوبة في الدراسات المختصة بنظام الإلحاق والهيمنة الخارجية على حبس التطور، والتي قد تفسر جانباً من المأزق الذي نعيشه، ولكنها أعجز من أن تستوعب ما يقع من آليات داخلية جعلتنا نتمحور حول الذات والدوران في الحلقة المغلقة في دوائر مغلقة تسعى لإدانة الآخر والقطع معه وتبرئة الذات والانغلاق عليها. لنجد عبد الحسين شعبان يلح بنزاهة فكرية أخلاقية على المراجعة الشاملة ويدعو لاستعادة مفهوم القطع بنقد الأسس التي قام عليها، ومنها القمع والعنف والأقلية والداخل والخارج.
المراجعة النقدية الموضوعية
هو الذي أكد في كتاباته العميقة والجريئة ضرورة المراجعة، فكتب: «هنا علينا أن نفكر بالدرس التاريخي، والدرس التاريخي يتطلب التوقف عند ما حصل، أين نجحنا؟ وأين أخفقنا؟ وما أسباب الإخفاق؟ وما أسباب الفشل؟ ومن ثم ما السبيل لإنجاز عملية التغيير من دون الخسارات التي حصلت طوال هذه السنوات العشر؟ أكانت في البلدان التي حصل فيها التغيير، أو تلك التي أنجزت فيها المرحلة الأولى من عملية التغيير، بانتهاء الأنظمة واستبدالها بأنظمة جديدة، أو في البلدان التي لم تنجح فيها عملية التغيير، بل سارت في دروب إلى درجة التيه أحياناً، وفي طريق استخدام العنف والسلاح، والاحترابات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والاستثمارات الأجنبية السلبية، التي آذت شعوب هذه البلدان، وأقصد بالتحديد سوريا، وليبيا، واليمن، وغيرها».
وفي تأملاته الفكرية الحوارية تجد نفسك أمام موسوعة شاملة، بعقل المؤرخ يلجأ إلى فلسفة التاريخ ليدلل على لسان هيجل: إن التاريخ مراوغ وماكر، وخادع أحياناً، فليس كل ما يكتب وكل ما يقال يمكن أن يوصل إلى النتائج المرجوة، لكننا إذا أردنا أن نتناول المسألة من الزاوية الإعلامية، أي أن نؤرخ للحظة بحسب ألبير كامو، فاللحظة لا تعكس حقيقة ما جرى، وما يجري، وحقيقة الرؤية المستقبلية لعملية التغيير والإنجاز المنشود.
ومن منطق السوسيولوجيا، يستند إلى ابن خلدون، أو أوغست كونت، أو ماكس فيبر، أو علي الوردي، أو غيرهم، يقول عبد الحسين شعبان: «إن السوسيولوجي لا يتنبأ بالأحداث، وإنما يحلل ما هو قائم بعد مرور مدة زمنية معينة ليتوصل إلى قراءة استنتاجية للمستقبل».
ليطل دكتور فلسفة القانون من الزاوية الحقوقية ويحلل لنا موضوع التغيير، والحراك الشعبي، أو الانتفاضة، أو الثورة، فمن زاوية الحقوقيين، يمكن رؤية ما له علاقة بشرعية نظام الحكم أو عدم شرعيته، ومن زاوية المشروعية أو عدم المشروعية. يبدع في توصيفه الحقوقي، وبخاصة لمسألة المشروعية مستنداً إلى قضيتين مركزيتين أساسيتين: الأولى رضى الناس، إذ لا شرعية حقيقية من دون رضى الناس، أما الشرعية الثانية فهي ما يمكن أن يقدّم من منجز حقيقي على صعيد الواقع العملي، وهذا يتعلق بشرعية أي نظام، وأي سلطة، وأي حركة، وأي تيار فكري أو سياسي، أما المشروعية فلها علاقة بحكم القانون، ومدى الاقتراب أو الابتعاد من حكم القانون..
الثورة مثل الحب
وفي تشخيصه العلمي لعملية التغيير، والثورة، ولتخليصها من التجريبية والفوضوية والعبثية، يعتبر أنها عملية مركبة، وعملية متداخلة، عميقة، فالثورة مثل الحب، لا يمكن أن يأتي مرةً واحدة، إنه يأتي تدريجاً، ويأتي بالتراكم، ويأتي بالممارسة، ولهذا يبقى الحب عصياً على الفهم، تماماً مثل الثورة؛ هي لا تأتي دفعةً واحدة، ولا تأتي مجهزةً أو كاملة أو نهائية، هي عملية تراكمية، وهي «بروسيس» طويل الأمد، وهي على حدّ تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ: الثورة ليست نقراً في السطح، وإنما حفرٌ في العمق، والحفر في العمق يختلف عن النقر في السطح. نطلق هذا التعبير الأخير على عملية تغيير جزئية، أو على انقلاب، أو على تحول ليس تحولاً جذرياً عميقاً بعيد المدى يترك تأثيراً، أما الحفر في العمق فهو يحتاج إلى زمن، ويحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى تراكم، ولهذا واجهت حركة التغيير طائفة من المنعرجات والمنحدرات والعقبات والعوائق، وتعرضت خلال مسيرتها إلى انكسارات، ولم تستطع ككل ثورة السير بصورة مستقيمة، وإنما كانت هناك دروب وعرة، ومفاجآت عديدة، ولا سيّما عندما دخل العنف والسلاح إليها، وأحياناً بالضد من إرادتها، فأجبرت عليها، أو اضطرت إليها، أو تناغم بعض أفرادها مع هذا التوجه، الذي لم يكن من كينونتها الأولى.
صراع الإرادات والعقول
كنت قد قرأت وتعلمت وتعرفت على الخارطة الفكرية للعزيز الدكتور عبد الحسين شعبان من صفحات مجلة الهدف، التي لم يبخلْ عليها بمقالٍ أو إضاءةٍ وبحث جاد حتى عددها الـ55 الرقمي الخاص الأخير الذي صدر بالأمس، واتحفنا بمقاله: «طوفان الأقصى: صراع الإرادات والعقول».
الحدث العظيم الذي هزّ العالم في السابع من أكتوبر، إنّما أعادنا إلى سؤال البداية، ليسقط معه البدهيات العاجزة والمفلسة عن تفسير التاريخ وقراءة التحولات النوعية، ذكرنا ببعض فلاسفة اليسار، من فسّر المراجعة بالاستدارة من النقيض إلى النقيض. لكن المفكر اليساري حسين شعبان صاحب المنهجية النقدية الثورية الصارمة، وقف بالمرصاد ليمنع ولو نسبياً مخاطر الوقوع ضحية هذه الفرضيات. وتظهير البدهيات المطلوبة أن يتحقق تحرير الفكر من العقد التاريخية والتذكير بطبيعة وجوهر الصراع، لكونه صراعاً موضوعياً في مواجهة مشروع نقيض يستهدف الجميع.
بعد عملية السابع من أكتوبر البطولية وما تبعها من جنونٍ عنصري وحرب الإبادة الجماعية لتصحح لنا ولغيرنا الأخطاء الفكرية القاتلة، حيث جرى عبر عقودٍ مضت بإعادة صياغة الوعي الجماعي وإنتاج أيديولوجية الهزيمة! بهدف تكسير الوعي الجمعي إلى جزئياتٍ متناقضةٍ لطمس صورة العدو الحقيقي في الذاكرة وإحلال آخر مكانه. ولم يفت كاتبنا الإضاءة على حقبةٍ من تاريخ “عصبة مكافحة الصهيونية ونقض الرواية الإسرائيلية” وإجلاء حقيقة الدور التضليلي الديماغوجي للحركة الصهيونية، بحق اليهود قبل غيرهم، وهو ما تكشف عنه وثائق العصبة ذاتها. والدور المشرف لقادةٍ دفعوا حياتهم ثمن موقفهم ضد الصهيونية مثل الشيوعي العراقي الرفيق “فهد” من الذين رفضوا موقف «الرفاق السوفييت» بشأن قرار تقسيم فلسطين. يومها ربط “فهد” مكافحة الصهيونية بمكافحة الاستعمار، فهما وجهان لعملة واحدة، وفي كرّاس صدر له بعنوان “نحن نكافح من أجل من؟ وضدّ من نكافح؟” يقول فيه: “إن مكافحة الصهيونية توجب مكافحة الاستعمار حتماً في فلسطين وكلّ البلاد العربية، ومن يزعم مناهضتها ولا يناهض الاستعمار يخدمها، أراد أم لم يرد”.
سؤال اعرف نفسك
نتشرف ونعتز بالدكتور عبد الحسين شعبان، الرفيق والصديق والحبيب لفلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، منذ انطلاقتها بعد نكسة حزيران عام 1967، وهو من صفوة حوارييها الخلّص، وأشهد أنه كان بمثابة العقل المدبّر الذي يستشار في مواقفها وقراراتها ووثائقها، وهو الصديق الوفي لعددٍ كبيرٍ من قادتها الأوائل ومنهم د. جورج حبش رفيقه في الزمن الدمشقي، يوم كان “الحكيم” يلح على قراءةٍ جديدةٍ لمعرفة ليس من هو العدو فقط، بل ماهيّة هذا العدو؟ فانشغل الحكيم بكتابه “نحو فهمٍ أعمق وأدق للكيان الصهيوني”، وعندما أسس “مركز الغد العربي” أسس السؤال الفكري الذي يستفز العقل: لماذا هزمنا؟ ولماذا لم ننتصر؟ وكيف ننتصر؟
السؤال الذي ساهم في بلورته والبحث فيه عدد من المفكرين العرب، وكان بينهم د. عبد الحسين شعبان، وهدف هذا السؤال المؤرق البحث في الحقيقة التي يجب أن لا تضيع أبداً، وبشكل علمي إدراك طبيعة الصراع الموضوعية التي تجد ترجمة لها في حالة شاملة من الاشتباك التاريخي المفتوح والمستمر بين الأمة العربية والشعب الفلسطيني من جهة والمشروع الصهيوني الأمبريالي من جهة أخرى.
سؤال اعرف عدوك
أثار نقاطاً جوهرية مهمة، وطرح أسئلة أجج فيها نيران السجالات، أولها حول طبيعة الصهيونية وما يحكمها من أهداف استيطانية أيديولوجية عنصرية تترجم نفسها اليوم بممارسات فاشية تصل إلى حد تقديس القوة والقتل والإبادة. وثانيها حقيقة الصراع، وأي محاولة فكرية لتخطيها وتجاهلها تحت أي ذريعة كانت، سواء باسم اتفاقات السلام أو العيش المشترك، فهي محكومة بالفشل. وما الذي ينتظره العالم من شعب مصلوب على الجدار غير الدفاع عن نفسه وتحصيل حقوقه. وثالثها أن الصراع له سمته التاريخية الشاملة وتعبيراته ودينامياته الموضوعية التي لا يستطيع أي طرف التحكم فيها بمفرده، وربطاً باستمرار أسباب الصراع التي تعيد إنتاجه موضوعياً، والصراع لم يبدأه تاريخياً العرب أو الفلسطينيون.
في خضم هذا الجدل الفكري جاءت فكرة عبد الحسين شعبان لتدحض تلك التصورات الخاطئة عن الحركة الصهيونية وهرطقات مفلسة تأكد فشلها بالملموس من نوع (حق تقرير المصير للشعب اليهودي)، والزعم بأنّ الصهيونية حركة تحررٍ وطنيٍ لليهود! كما تعامل بعض اليسار التافه، بالرهان الخاسر على التحولات الديمقراطية للدولة العبرية! لتنفق بالدرس والبحث والتدقيق والتجربة والأدلة الدامغة في غزة وفلسطين، وأنها لا تتحول ديمقراطية بل عداء للحياة والإنسانية والعدالة وتزداد صهيونيةً وعنصرية وتطرفاً وإرهاباً وفاشية وتحلم بتحقيق مشروع الصهيونية بإقامة إمبرياليةٍ صغرى، بهدف استعمار بالوكالة يسيطر على عموم بلادنا وشعوبها. إلى أن أفشى صديقنا د. شعبان سراً خطيراً إلى د. جورج حبش.
ما هذا السر الذي نهش عقل وتفكير د. جورج حبش؟ وبعد اجتماع للتبيان والتخطيط والدرس، بدأت رحلة البحث في مذكرات ريدليخ، وبإلحاح منه طار د. عبد الحسين إلى براغ، للتفتيش عن أوراق تحتوي معلوماتٍ مثيرةً تتعلق بالصفقة اللا أخلاقية بين النازية والصهيونية، الأمر الذي يعكس حقيقة أن الصهيونية والنازية وجهان لعملةٍ واحدة، وكلتاهما تستمدّ أيديولوجيتها من الفكر العنصري الاستعلائي.
صراع مصيري
وسط هذا الجدل الصاخب الذي كانت الصهيونية محوراً من أهم محاوره، فجاء كتابه “مذكرات صهيوني” وثيقة دامغة لصناعة “الهولوكوست”، والمتاجرة بها ودور الصهيونية فيها، يوميات “إيغون ريدليخ” في معسكر تيريزين يعمل مع النازية من أجل حل المسألة اليهودية، من خلال دفع مواطنيه اليهود لمغادرة ألمانيا “طواعيةً”! وبشكلٍ مرعبٍ عندنا يذكر إيغون ريدليخ في يومياته كيف كانت الحركة الصهيونية في تشيكوسلوفاكيا ترسل الألوف من اليهود إلى معسكرات الإبادة الجماعية النازية، مقابل وعودٍ نازيّةٍ بإرسال بضع عشراتٍ ومئاتٍ من القيادات الصهيونية وأصحاب رؤوس الأموال إلى فلسطين. كأنما العالم يسير إلى الخلف، والسؤال: هل استطاع العالم أن يتعايش مع النازية الهتلرية؟ وماذا عن الصهيونية النازية الجديدة؟ هذا سؤال إلى الإنسانية جمعاء وليس شعبنا وحده! والذي دفع بمؤلف كتاب “لننتصر على هتلر” أبراهام بورغ ليقول قبل سنوات: “إن الحديث عن محو غزة يدل على أننا لم نستوعب الدرس”. ويصف المجتمع الإسرائيلي بـ«المذعور» ويقول: “إننا معاقون نفسياً. إسرائيل تعاني صدمة نفسية مستدامة، صدمة النازية أفقدتنا توازننا. إننا نعيش بشعور أن كل العالم ينفر منا. التشدد يسيطر على هويتنا. إننا مجتمع يعيش على سيفه، وهذا الشعور ورثناه من ألمانيا، وكأن ما سلبوه منا خلال 12 عاماً يحتم أن يكون سيفنا كبيراً جداً. أليس جدار الفصل الذي نقيمه في الأراضي الفلسطينية خير دليل على انفصام الشخصية الذي نعانيه؟”.
ويضيف بورغ: “الفاشية هنا الآن، إسرائيل هي دولة بلطجية ومستقوية وقاسية وإمبريالية وسطحية فاقدة لأصالة الروح ومنطوية على نفسها. الدعوات المتتالية إلى قتل الفلسطينيين وهدم منازلهم وترحيلهم والقتل وشرعنة سياسة الترحيل (الترانسفير) من خلال مشاركة أصحاب هذه السياسة في الائتلاف الحكومي، دليل على انتشار الفاشية”.
وهنا تتمظهر الصهيونية الأساسية التي قام عليها الكيان وطبيعته وتناقضاته ومآلاته النهائية، ومستقبل هذا الكيان لن يكون غير ما كان عليه مستقبل النازية الهتلرية.
أهمية الصراع الثقافي في نقض الرواية الإسرائيلية، خاضها عبد الحسين شعبان بالعقل والإرادة، كأنما اسمه الحركي “الثقافة المقاومة”. لأنه انتصر للثقافة العربية بفلسطينها، وعلى أهم محور فيها وهو السردية الفلسطينية، تماماً كما فعل أبطال أكتوبر الفلسطيني حين أعادوا طرح سؤال البداية، واجب الثقافة العربية أن تنتصر للبدهيات التي تدرك أصل الصراع بين الأنا العربية والإنسانية والآخر الصهيوني المتغطرس الدائر بين الضحية والمجرم وحول حياة كالحياة، حياة الحرية والكرامة والعدل والحق والحقيقة، وبذلك تنتصر لذاتها وللأمة ولفلسطين، وهنا يكمن قلق العدو الوجودي، من انبعاث الروح الفلسطينية والعربية الجديدة. الانبعاث هو نصر معنوي، ونصر ثقافي، فالمقاومة بروحها وثقافتها وإرادتها هي التعبير الأسمى عن روح الأمة.
الويل لأمة لا تكرم مثقفيها
إن الحديث عن تعميق مشروع الثقافة العربية يحتاج إلى مفكر يبوح بأفكاره ويكتب بما يؤمن وما يعتقد، تنقيباً في النصوص والمراجع والوثائق وبجهد جاد في النقد والكتابة والشجاعة التي مثّلها د.عبد الحسين شعبان، لذلك هو تكريم مستحق! من فريق “دار سعاد الصباح للإبداع” الذين يعرفون للرجال قدرهم، فقد كان اختيار هذه القامة الثقافية عملاً باذخاً ورائعاً، فهو الرجل الذي أسهم في تكوين أجيال من المثقفين التقدميين، واستمر عطاؤه ممتداً إلى الآن في الإنتاج والتأليف والبحث والتكوين ودعم الثقافة العربية. قامة ثقافية حقيقية في أمة تخوض معركة وعي الذات ووعي الوعي. لذلك كل أمة بلا ثقافةٍ هي أمةٌ تائهة ومفككةٌ ومن السهل تضليلها وأمة بلا مقاومة هي أمة خاضعة، مستلبة بلا كرامة.
دمتم ذخراً للفكر والثقافة ولتحرير العقل العربي، والإنسان العربي وتحرير فلسطين ومن أجلها نبني الغد والجيل الذي لا يضل الطريق! وبشاعرنا محمود درويش نختتم الكلام:
أتذكّر السياب، إن الشعر تجربةٌ ومنفى، توءمان ونحن لم نحلمْ بأكثر من حياةٍ كالحياة، وأن نموت على طريقتنا، عراق عراق، ليس سوى العراق.





+ There are no comments
Add yours